الأحد 13 يونيو 2021
الرئيسية - تقارير وحوارات - دراسة تسلط الضوء على حرب الحوثيين الناعمة
دراسة تسلط الضوء على حرب الحوثيين الناعمة
دراسة تسلط الضوء على حرب الحوثيين الناعمة
الساعة 09:06 صباحاً (متابعات )

كشفت دراسة حديثة نشرتها منظمة إمباكت أس.إي المتخصّصة في مراقبة المناهج التعليمية والكتب المدرسية في جميع أنحاء العالم ورصد قيم السلام والتسامح في العمليات التعليمية، أن الحوثيين جعلوا من نظام التعليم في مناطق سيطرتهم باليمن المعادل “الناعم” للحرب الميدانية التي يخوضونها، وحوّلوه إلى وسيلة لنشر القيم والثقافة والأفكار السياسية الإيرانية التي يتبنونها.

وتصف الدراسة التي حملت عنوان “مراجعة المواد التعليمية للحوثيين في اليمن” ما يتم تدريسه للطلاب تحت إشراف جماعة الحوثي بأنّه الأكثر إثارة للقلق بين المناهج والمحتويات التي قامت إمباكت أس.إي بمراجعتها، حيث تضم مزيجا من الكراهية وتمجيد العنف كحل وحيد لحل النزاعات عبر تلقين الأطفال وجوب التضحية بحياتهم، في تعارض تامّ مع معايير منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “يونسكو” القائمة على نشر التسامح والسلام.



ويلاحظ متابعون للشأن اليمني أنّ الحوثيين يزدادون صرامة في فرض تعاليمهم على المجتمع بالتوازي مع تمكّنهم من فرض سلطتهم السياسية وقبضتهم الأمنية على المناطق التي يحتلّونها. وبحسب سكان في صنعاء، فإنهم يلاحظون في أعقاب أي انتصارات عسكرية تحققها جماعة أنصار الله تشدّدا اجتماعيا أكبر وشراسة في فرض رؤاهم السياسية والدينية بالقوّة على الأهالي.

 ولا يحيل رصد العملية التعليمية للحوثيين فقط على مستوى التشدّد في فكر الجماعة وأيديولوجيتها، لكنّه يلقي الضوء على طريقة إيران وتكتيكاتها المتبّعة في التغلغل داخل مجتمعات بعض بلدان المنطقة، عن طريق وكلائها الذين تناط بهم أدوار أخرى مكمّلة لدورهم في تأمين السيطرة الميدانية بقوّة السلاح.

وبهذا أصبح التعليم أداة فعالة ونقطة محورية في مدّ النفوذ الإيراني واستدامته بتوفير بنى فكرية وروافد اجتماعية له، وهو ما جعل للإيرانيين حضورا بارزا في التعليم بمناطق سيطرة الحوثيين في اليمن بكل مستوياته.

ولتكوين الكوادر اللاّزمة لتأمين عملية تعليمية هناك وفق المواصفات الإيرانية، تستقبل إيران كلّ سنة المئات من الطلاب اليمنيين للدراسة في مؤسسات معينة تختص بالتدريس الديني والأيديولوجي.

مناهج ملغومة

إلحاق الأطفال بما يسميه الحوثيون جهادا ليس مجرّد فكرة نظرية متداولة في الوثائق التعليمية بل ممارسة عملية

لا يرتبط استغلال العملية التعليمية فقط بأهداف إيران ونشر أيديولوجيتها وخدمة مشاريعها في المنطقة، ولكنّ الحوثيين أنفسهم يجدون مصلحة في ذلك، حيث يدركون استحالة مواصلة فرض سيطرة دائمة بالحديد والنار على الجزء الكبير الذي يحتلونه من اليمن، ولذلك يعملون على غزو عقول الناشئة بهدف تخريج جيل جديد مؤمن بأفكارهم السطحية التي لا تشكّل في حقيقة الأمر منظومة فكرية متماسكة تستطيع أن تكون أرضية لتجربة سياسية صالحة لحكم البلدان وإدارة شؤونها ومقدّراتها المادية والبشرية.

وطوال سنوات الحرب، أثبت الحوثيون قوّتهم القتالية لكنّهم أظهروا كذلك تماسكا تنظيميا كبيرا وقدرة على الإمساك بمفاتيح المجتمع بقبضة من حديد.

ويلاحظ متابعون للشأن اليمني أنّ الحوثيين يزدادون صرامة في فرض تعاليمهم على المجتمع بالتوازي مع تمكّنهم من فرض سلطتهم السياسية وقبضتهم الأمنية على المناطق التي يحتلّونها. وبحسب سكان في صنعاء، فإنهم يلاحظون في أعقاب أي انتصارات عسكرية تحققها جماعة الحوثي تشدّدا اجتماعيا أكبر وشراسة في فرض رؤاهم السياسية والدينية بالقوّة على الأهالي.

 وتشتكي نقابة المعلمين اليمنيين من أن الإيرانيين أصبحوا يشاركون بشكل مباشر في صياغة المناهج التي يعتمدها الحوثيون في مناطق سيطرتهم.

وتنتج عن ذلك برامج ومواد تعليمية ملغمّة بالدعوة إلى العنف وكراهية الآخر، تحضر فيها إيران باستمرار كمتصدّية لـ”مؤامرات” الغرب وحلفائه، كما تحضر فيها الميليشيات التابعة لها في المنطقة كقوى للخير في مواجهة الشرّ المطلق، يتعيّن على الطلاب والتلاميذ المتلقين مساندتها والتعاطف معها بل اتخاذها قدوة وتقليدها في ما تخوضه من حروب “مقدّسة”.

ومن خلال حضور صور ورسوم الأطفال في الكتب الدراسية والنشريات التعليمية المكمّلة في مواقف تأييد للمحور الإيراني وإدانة لأعدائه باستخدام ألفاظ ومصطلحات باتت لصيقة بالثورة الإيرانية من قبيل الاستكبار العالمي والشيطان الأعظم، تظهر بوضوح فكرة استخدام التعليم في خلق هوية طائفية عابرة لحدود الدول ومرتبطة بتجربة الحكم الدينية في إيران.

ويبرز مثال واضح على ذلك من خلال رسم في مجلّة ذات صبغة تعليمية موجّهة للأطفال يصوّر طفلا في سن الـ12 عاما يحمل اسم سلمان، ويشار إلى أنّه من إيران في استدعاء لرمزية الصحابي سلمان الفارسي، للإيحاء بالدور الذي تلعبه بلاد فارس وأمّة الفرس في “نصرة الإسلام على أعدائه”.

ويعرض النص المصاحب للرسم أفكارا سياسية واضحة وكثيرة التداول بين حلفاء إيران في المنطقة العربية تدور حول التشهير بـ”المؤامرات الإسرائيلية والأميركية التي تقف وراء تصوير إيران على أنها عدو العرب، بسبب الدعم الذي تقدمه طهران للفلسطينيين وغيرهم”.

ولأنّ قسما كبيرا من اليمنيين الذين تستهدفهم البرامج التعليمية المفصلة على مقاس النموذج الإيراني، سُنّي لا يشارك الحوثيين الانتماء إلى المذهب الزيدي الشيعي، فقد حرص واضعو تلك البرامج على محاولة استمالة السنّة وعدم تنفيرهم من المحتويات التعليمية المضمّنة في الكتب والمناهج، من خلال تصوير إيران كصديقة للعرب المسلمين جميعا سنّة وشيعة، وتقديم هؤلاء كحلفاء لها في تنفيذ المشروع الأسمى المتمثّل في مواجهة الغرب وإسرائيل.

يختلف جذريا عندما يتعلّق الأمر بأمم وبلدان تناصبها إيران العداء، فتأتي المواد التعليمية للحوثيين عند ذلك طافحة بالكراهية والعدوانية بلا مواربة، ومن خلال الألفاظ والمصطلحات الأكثر شدة وقسوة.

وتشمل تلك الكراهية إسرائيل والولايات المتّحدة والسعودية، حتى أنّ كتبا مدرسية تدعو علنا إلى ما تدعو إليه الثورة الإيرانية منذ قيامها سنة 1979 من وجوب تدمير إسرائيل التي ترد في الأدبيات الإيرانية، وبالتالي في كتب التدريس الحوثية تحت مسمى “الغدّة السرطانية”، بينما تسمى الولايات المتّحدة بالشيطان الأكبر، فيما السعودية وفق توصيف تلك الكتب هي “مرتكبة المجازر ومنفذة العدوان على المدنيين”.

وكما لا تستثني إيران اليهود من قائمة أعدائها و”المتآمرين” عليها، فإن المواد التعليمية الحوثية تحافظ على نفس الصورة النمطية لهم وتتّهمهم بحياكة المؤامرات الشائنة وتقدمهم على أنهم أعداء للإسلام ولشعب اليمن.

وفي نطاق هذه النظرة لليهود وديانتهم يتمّ تدريس شعار الحوثيين المعروف بالصرخة والذي يتضمن دعاء بالموت لأميركا وإسرائيل، وبالنصر للإسلام، فيما يوجه اللعنة لليهود بشكل واضح وصريح.

ويرد في اختبار للتلاميذ بإحدى الوثائق التعليمية سؤال “من هم الذين غضب الله عليهم ولعنهم، قتلة الأنبياء، أمرنا الله ألاّ نواليهم وأن نعلن العداء لهم وأن نحذر مكائدهم، أشدّ الناس عداوة للمؤمنين”. ثم يذيّل الاختبار بعد ذلك بإجابة واضحة تتلخّص في كلمة واحدة هي "اليهود".

وفي مقطع من كتاب آخر يبدو مخصّصا لتعليم المبتدئين رسوم الحروف العربية، تأتي الكلمات والجمل المختارة لتعليم رسم حرف من الحروف محمّلة بالمفاهيم الدينية والأيديولوجية. ومثال ذلك تمرين على رسم حرف الألف في بداية الكلمة من خلال ألفاظ تشكّل الجملة التالية: “أنا أعادي إسرائيل”.

كما تتضمّن وثيقة تعليمية أخرى أنشودة للأطفال مطلعها “بمهجتي أجود.. عن أمّتي أذود.. مهما طغى اليهود”.

وبعيدا عن القيم السائدة والمبادئ العالمية التي تدين تلقين العنف للأطفال واستخدامهم في الدعاية السياسية والأيديولوجية، تحضر في الكتب المدرسية المعتمدة في مناطق سيطرة الحوثيين صور لأطفال قتلى ضمن دروس تعلّم الناشئة كيفية “مواجهة العدوان السعودي” والتصدّي لـ”الهيمنة الصهيونية الأميركية”.

ويبلغ التحريض على العنف مداه من خلال قصص مصوّرة تحثّ على الالتحاق بصفوف المقاتلين الحوثيين، وتمجّد من يقومون بذلك ومن يبدون استعدادا للتضحية بحياتهم.

وفي عملية هادفة إلى تطبيع حضور السلاح في الحياة اليومية، تسجّل البنادق حضورها في دروس الحساب والرياضيات. ويرد في أحد الكتب اختبار في الحساب يطلب من التلاميذ البحث عن نتيجة جمع ثلاثة بنادق اشتراها شخص اسمه محمّد يوم الجمعة وأربعة أخرى اشتراها يوم الأحد.

يغدو الأمر أكثر تركيبا وتعقيدا عندما تتداخل في بعض المطبوعات التعليمية كراهية الآخر مع الطائفية ومعاداة السامية والتحريض على العنف، وهو ما يتجلّى في إحدى الوثائق من خلال سرد “قصّة” عن الإمام زيد بن علي الأكثر تبجيلا لدى أتباع الطائفة الزيدية، وقد دخل بحسب محتوى القصة على الخليفة الأموي هشام بن عبدالملك الذي يرد وصفه في النص بـ”الطاغية” وعنده صديق يهودي كان يسب النبي محمّدا، فأراد زيد أن يقتله لكن جنود هشام منعوه.

ومؤدّى تضمين تلك القصّة في مادّة تعليمية موجّهة للأطفال غرس فكرة أنّ الأمويين وبالتالي السنّة أصدقاء لليهود، بينما الشيعة أعداء لهم يواجهونهم، وإن اقتضى الأمر يقتلونهم.

وفي نموذج “تعليمي” آخر مثير للقلق وفق توصيف إمباكت أس إي تحتوي وثائق تعليمية حوثية على موادّ هي بمثابة انعكاس آلي لمخطّط إيراني يتم تطبيقه في المنطقة بشكل عملي.

ويقوم ذلك النموذج على استدامة الحروب والصراعات تحت عناوين مثل المقاومة والتحرير ومواجهة الاستكبار، خصوصا وأنّ تلك الحروب تخاض على أراضي الغير وبسواعد أبناء بلدان ومجتمعات أخرى وتعود خسائرها عليهم، بينما يستفيد الإيرانيون من خلق خواصر هشة حولهم تصبح تربة مهيئة لمدّ نفوذهم.

وتصف مقتطفات من نشرية موجّهة للأطفال، الراغبين في السلام والرافضين لمواصلة الحرب بالجبناء والمرجفين وناشري الإشاعات.

ويظهر مقطع من الرسومات رجلا يدعو سكان القرية إلى التوقف عن خوض الحرب حفاظا على حياتهم، وشابا ينصح طفلا بعدم الاستماع إليه لأنّه “غبي ولا يثق بالله ويرتعب من الظالمين..”.

ثم يتحوّل الخطاب الموجّه إلى الطفل إلى دعوة مباشرة له للانضمام إلى الجهاد و”أخذ فرصته” في قتال الأعداء، ليستجيب الطفل ويعلن انضمامه إلى قافلة المجاهدين، طالبا من الشاب الدعوة له بـ”النصر أو الشهادة”.

وليس إلحاق أطفال اليمن بما يسميه الحوثيون جهادا مجرّد فكرة نظرية متداولة في الوثائق التعليمية، بل إنّ تجنيد الأطفال بمن فيهم طلاب المدارس وإرسالهم إلى جبهات القتال أمر معروف وموثّق بالصور المتداولة في وسائل الإعلام ووكالات الأنباء، وسبق للعديد من الجهات الحقوقية أن أدانته وطالبت بوضع حدّ له.


آخر الأخبار