الاربعاء 26 يناير 2022
الرئيسية - إقتصاد - قراءة في قرار اعادة تشكيل مجلس ادارة البنك المركزي اليمني
قراءة في قرار اعادة تشكيل مجلس ادارة البنك المركزي اليمني
قراءة في قرار اعادة تشكيل مجلس ادارة البنك المركزي اليمني
الساعة 05:49 مساءً ( وحيد الفودعي)

رغم تبني الحكومة اليمنية وبنكها المركزي العديد من الإجراءات والسياسات بهدف الحد من تدهور قيمة العملة الوطنية إلا أن تلك الاجراءات لم تأت أكلها حتى بعد اعلان البنك المركزي اليمني التدخل في سوق الصرف بائعاً للنقد الأجنبي عن طريق المزادات، حيث استمر انهيار سعر صرف الريال اليمني أمام العملات الأجنبية بشكل غير مسبوق وبعيداً عن المتغيرات الاقتصادية الحقيقية المؤثرة على سعر الصرف، يأتي ذلك لاسباب عديدة أهمها تاخر الحكومة وبنكها المركزي في تفعيل بعض الأدوات المتاحة للحد من التدهور المخيف في سعر الصرف وبرغم التحذيرات منذ وقت مبكر، اضافة الى اكتساب السوق مناعة ضد اي استجابة ايجابية لسياسات وادوات البنك المركزي نظراً لاهتزاز الثقة بالبنك بفعل الاستهدافات والصدمات العديدة التي تعرض لها وأهمها اتهامه بالفساد وغسل الاموال من قبل فريق الخبراء الأممي المعني باليمن في تقريره الاخير نهاية يناير الماضي رغم تراجع الفريق عن هذا التقرير، اضافة الى حملات ممنهجة استهدفت البنك بقصد او بدون قصد من قبل عديد من الاطراف والجهات الرسمية اليمنية.

لقد كان قرار تشكيل مجلس إدارة البنك الركزي ضرورة حتمية، بعد خرج سوق الصرف عن اشراف وسيطرة البنك المركزي ووصل سعر الصرف الى رقم قياسي (1700 ريال/ دولار)، لذلك اصبح من الضروري التخلي عن مجلس الادارة رغم تبقي 7 أشهر على استكمال فترته القانونية، اضف الى ذلك عجز محافظ البنك عن ممارسة عمله بشكل طبيعي لاسباب مرضية، وكان هذا الأخير اضافة الى عجز البنك في كبح جماح تضخم العملة المحلية هو المدخل القانوني الذي استند اليه رئيس الوزراء لإعادة الروح والحيوية لادارة البنك من خلال الرفع بترشيحات لرئيس الجمهورية وفقاً للمادة 11 فقرة 2 - ج من قانون البنك المركزي اليمني.



وخلافاً للتعينات السابقة في ادارة البنك يبدو ان التشكيلة الاخيرة كانت نتيجة مشاورات مكثفة اجراها رئيس الوزراء مع الاطراف المكونة للشرعية والمناهظة للمشروع الحوثي للوصول الى التركيبة النهائية لمجلس ادارة البنك بقيادة الاقتصادي المخضرم الاستاذ احمد غالب وهو شخصية مشهود لها بالكفاءة والنزاهة رئيساً لمجلس الادارة ومحافظاً للبنك والاستاذ الاكاديمي الدكتور محمد عمر باناجه نائباً له.

وما يميز هذه التشكيلة اضافة اللى الاختيار الموفق للكفاءات كما ذكرنا انها حظت بمباركة جميع الاطراف والمكونات المناهظة للمشروع الحوثي ياتي ذلك في الوقت الذي كان الشارع اليمني يغلي ويكاد ان ينفجر في اي لحظة نتيجة غلاء الاسعار بحيث يربك المشهد ويقلب الطاولة على الجميع.

وبمجرد الاعلان عن قرار اعادة تشكيل مجلس ادارة البنك هبطت اسعار صرف العملات الاجنبية حيث انخفض سعر صرف الدولار من 1680 الى 1290 في نفس الليلة التي تم الاعلان فيها عن القرار، ما يدل على استجابة السوق وتوقعات المتعاملين في سوق الصرف لهذا القرار وأعدوه من الاخبار الايجابية متوقعين مزيداً من القرارات والاصلاحات والدعم الخارجي، وهي نقيض للاخبار السلبية التي ساهمت دون مبرر الى صعود صرف الدولار الى رقم قياسي.

وتواجه الادارة الجديدة للبنك المركزي صعوبات وتحديات كبيرة تعيق قدرتها على ادارة السياسة النقدية والاشرافية بالشكل المطلوب وفقاً للقانون، تأتي على طليعتها عدم اكتمال البناء المؤسسي للبنك، والانقسام النقدي والمالي الذي افرزته الحرب، واقتسام الايرادات الذي تسيطر جماعة الحوثي على جزء كبير منها دون مساهمتها في دفع مرتبات الموظفين في مناطق سيطرتها للعام الخامس على التوالي، يلي ذلك انعدام الثقة بالقطاع المصرفي، وتعطل مالية الدولة والسحب على المكشوف والطبع النقدي لتغطية العجز وعدم اكتمال الهياكل التنظيمية لأجهزة ومؤسسات الدولة في مناطق سيطرة الشرعية وغيرها من التحديات والمعوقات.

وكخطوة اولى يجب ان تنتهجها قيادة البنك الجديدة بالتنسيق مع الحكومة وربما التشاور مع صندوق النقد الدولي هو ضبط سوق الصرف ووضع حد للتقلبات الحادة فيه، والشروع بتبني سياسة سعر صرف تأشيري ملزم يتناقص تدريجياً باتجاه السعر التوازني مع السماح بتجاوز لا يتعدى 2% من السعر زيادة ونقصاناً، وتحديد هامش الربح بما لا يزيد عن نصف في المائة من السعر التأشيري، وإلزام كافة المتعاملين في سوق الصرف بهذا السعر ووضع عقوبات صارمة للمخالفين وان اقتضى الأمر المصادرة والتأميم، غير أن السعر التوازني قد يكون من الصعب التوصل اليه وفق مؤشرات اقتصادية فعلية نظراً لعدم توفرها، لكن ليس من الصعب تقديره.

إن العشوائية في تنفيذ السياسات الاقتصادية سواء المالية والنقدية قد لا تؤدي إلى نتائج جيدة، لذلك يتوجب على قيادة البنك الجديدة وفي أول اجتماع لها تبني التخطيط والتنبؤ الاستراتيجي وإدارة المخاطر  والالتزام، وعدم الانتظار حتى استفحال الأزمة بحيث يصعب التحكم بها كما كان عليه الحال في الادارات السابقة المتعاقبة للبنك.

إن من أهم الأخطاء التي يقع فيها البنك المركزي اليمني في السابق هو تنفيذ أدواته واجراءاته تواليا، والتركيز على اجراء واحد في لحظة ما دون بقية الإجراءات والادوات المتاحة لديه، وقد يعزو ذلك إلى عدم اكتمال البناء المؤسسي للبنك حتى اللحظة، لذلك يتوجب على الادارة الجديدة للبنك التركيز على رفع قدرات البنك المركزي واستكمال بناءه المؤسسي حتى يستطيع أن يرسم وينفذ ويراقب سياساته وأدواته النقدية والرقابية بالتوازي دون التفريط في أي منها، وفي المقابل يجب التنسيق مع الحكومة وأجهزتها التنفيذية والتكامل فيما بينهما من أجل تحقيق هدف مشترك وهو استقرار الأسعار، والقضاء على المضاربين بالعملة، واعداد مصفوفة مزمنة من الحلول والمعالجات المالية والنقدية والأمنية والقضائية تفعل بالتوازي وفق الأولويات.

ان اعادة تشكيل مجلس ادارة البنك المركزي خطوة اولى في الاتجاه الصحيح لما تقتضيه المصلحة العامة غير ان ذلك لا يمثل اهمية كبير للحلول والمعالجات المتاحة والممكنة لكافة المتغيرات التي اثرت على سعر الصرف كمتغير تابع ياتي على رأسها اصلاح المشهد السياسي.

لذلك يجب ان تتبع قرار اعادة تشكيل مجلس ادارة البنك المركزي اصلاحات اخرى شاملة لكافة مؤسسات واجهزة الدولة واهمها، (1) توحيد القرار السياسي لكافة المكونات المناهضة للمشروع الحوثي (2) يرافقها ايضاً البحث عن دعم مالي خارجي (3) ووضع خارطة طريق لإصلاحات واعادة تشكيل وبناء قدرات لكافة مؤسسات الدولة وأهمها الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة وهيئة مكافحة الفساد والمجلس الاقتصادي الاعلى ، (4) واعادة النظر في مالية الدولة والسياسة النقدية وان تطلب الامر الفصل الجغرافي للمناطق المحررة عن تلك الغير محررة (5) وضبط وتنمية الايرادات وترشيد النفقات خصوصاً بالعملة الصعبة وازالة معوقات تصدير الغاز وتنمية ايرادات النفط القائمة وغيرها،  وهذه اجمالاً كفيلة بإنعاش الاقتصاد اليمني الذي يحتظر.

وتمثل الاصلاحات المطلوبة في هذه المرحلة في مجملها تحد كبير أمام رئيس مجلس الوزراء والذي يسعى جاهداً كما يبدو لإجراء اصلاح جذري في منظومة الشرعية والتي تأخرت كثيراً لأسباب قد تكون خارجة عن ارادة الشرعية نفسها.


آخر الأخبار