الاربعاء 26 يناير 2022
الرئيسية - علوم وتكنولوجيا - حُمى شراء الأراضي افتراضيًّا.. مئات الملايين من الدولارات تدفع مؤخرًا لشراء أراضي لا وجود لها في الواقع الفعلي
حُمى شراء الأراضي افتراضيًّا.. مئات الملايين من الدولارات تدفع مؤخرًا لشراء أراضي لا وجود لها في الواقع الفعلي
الساعة 05:58 مساءً (متابعات)

كم يبلغ سعر أرض أو عقار ما في مدينتك؟ عشرات أو مئات الآلاف أو حتى ملايين؟ في النهاية، قد نختلف على ما إذا كان هذا العقار أو الأرض تستحق هذا المبلغ الذي دفعته فيها، لكننا بالتأكيد نتفق على أن هناك أموالًا لا بد أن تدفع لامتلاكها، فهي في النهاية ثمن امتلاك أرض أو عقار حقيقي له قيمة فعلية.

لكن، هل يمكنك أن تدفع هذه الدولارات في قطعة أرض لا توجد في الواقع، أو ليس لها وجود حقيقي؟ ستقول لا بالطبع، وستبدو إجابتك في منتهى المنطقية، لكن في الحقيقة، هناك مئات الملايين من الدولارات التي تدفع مؤخرًا لشراء أراضي لا وجود لها في الواقع الفعلي، لأنها ببساطة موجودة في الواقع الافتراضي؛ فأهلًا بك إلى عالم العقارات والأراضي الافتراضية في الـ«ميتافيرس».



ما هو «ميتافيرس»؟

قبل أن نخوض في تفاصيل هذه القصة، ربما علينا أن نوضح أولًا: ما هو «ميتافيرس»؟ تنقسم كلمة ميتافيرس «metaverse» إلى شقين، ميتا «meta» وتعني ما وراء، وفيرس «verse» وهي اختصار من كلمة «universe» وتعني الكون، ليكون معناها الكلي «ما وراء الكون».

يستخدم هذا المصطلح لوصف ما يفترض أنه الإصدارات المستقبلية لعالم الإنترنت، لكنه سيتكون من بيئات ثلاثية الأبعاد التي يمكن الولوج إليها من خلال نظم الحواسيب الشخصية التقليدية، وكذلك عبر تقنيات الواقع الافتراضي والواقع المعزز. بكلمات أبسط، يشير الميتافيرس إلى ذلك العالم الافتراضي ثلاثي الأبعاد الذي يعمل في الوقت الفعلي كالواقع، ويمكن دخول الناس إليه والتعامل بشكل طبيعي مثل الواقع فيما يتعلق بالهوية والتواريخ والاتصالات، والشراء، وغيرها من الأمور التي نفعلها في الواقع.

ربما يقدم لنا فيلم «Ready player one» النموذج الأقرب لهذا العالم، تدور أحداث الفيلم في عام 2045، حيث يستخدم الكثير من البشر برنامج «الواحة»، وهو عبارة عن عالم مبني على محاكاة الواقع الافتراضي، وذلك بهدف الهروب من العالم الحقيقي وكل ما فيه من مآسي.

 

في هذا العالم يستطيع البشر التواصل بشخصياتهم التي يختارونها ويطورونها بأنفسهم، بدءًا من نوع الملابس وحتى تسريحة الشعر، كما لو أنهم في الواقع، ويشعرون بكل لمسة تحدث في عالمهم الافتراضي، يدخل البشر لهذا العالم عبر ارتداء نظارات وارتداء عدة معينة تمكنهم من العيش بشكل فعلي في هذا العالم والتفاعل معه كالحقيقة، بل حتى صرف الأموال وشراء الأمتعة المختلفة.

وبالطبع، كلنا نعرف أن شركة «فيسبوك» غيرت اسمها وعلامتها التجارية إلى «ميتا» لأنها تنوي تحويل شبكاتها الاجتماعية إلى عالم ميتافيرس، وتستثمر في هذا بقوة، كما بدأت بعض التطبيقات والبرامج والألعاب التي تمثل نسخًا مبدئية من عالم ميتافيرس في الظهور، وجذبت لها الكثير من الناس، إذا كنت لعبت ألعاب فيديو شهيرة مثل «Fortnite» و«Roblox universe» مثلًا، فأنت قد تذوقت شكلًا من أشكال عوالم الميتافيرس.

الفرق الوحيد هو أن هذه العوالم لا يمكنك الدخول فيها عبر الواقع المعزز لتتعامل مع كل ما فيها مثل الواقع، لكن أنت فقط تتحكم في شخصيتك مثل ألعاب الفيديو جيم، لكن مع تطور التقنيات، سنصل إلى فكرة الفيلم نفسها التي ذكرناها.

شراء الأراضي على الميتافيرس.. سوق بالملايين

نأتي الآن إلى موضوعنا الرئيسي: شراء الأراضي في عوالم الميتافيرس، كما ذكرنا، فهناك الآن ألعاب وتطبيقات تعد النواة الأولى لعالم الميتافيرس، وعلى هذه الألعاب والتطبيقات يقوم الناس بشراء أراضي وعقارات بعملات رقمية، وهو ما يعني أن هذه العقارات والأراضي يدفع فيها الناس نقودًا حقيقية. يبدو الأمر غريبًا ومثيرًا، أليس كذلك؟

حسنًا، هناك ما هو أكثر إثارة؛ ففي شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، غنى جاستن بيبر، المغني الكندي الشهير، في حفل موسيقي مباشر، لكن ليس في صالة أو ملعب أو ساحة، بل أقيمت الحفلة في العالم الافتراضي، ميتافيرس، في ذلك الحفل، شاهد المعجبون من جميع أنحاء العالم جاستن بيبر من خلال شخصيته الرمزية في ذلك العالم (avatar)، وهي تغني أغنيات شهيرة له.

لكن كانت هناك عيون أخرى غير المعجبين تراقب هذا الحدث، إنها عيون المستثمرين الذين يستعدون بشكل جدي للطفرة الرقمية القادمة في عالم الأراضي في العوالم الافتراضية والمتوقعة خلال الأشهر القادمة. لذلك، يستحوذون على أماكن الحفلات الموسيقية، ومراكز التسوق، وغيرها من الممتلكات والعقارات الموجودة في برامج عوالم ميتافيرس وألعابه وتطبيقاته.

المستثمرون بدأوا بالفعل

لم يكن حفل جاستن بيبر هو البداية، لكنه خطوة على طريق بدأ بالفعل؛ فقد قامت شركات كبرى بالاستحواذ على الأراضي والعقارات في العديد من ألعاب الميتافيرس؛ في أكتوبر (تشرين الأول) 2021، استحوذت شركة «Tokens.com»، وهي شركة مختصة في تكنولوجيا البلوكتشين (التكنولوجيا التي تقوم عليها كل العملات المشفرة) وعقارات عوالم ميتافيرس، على 50% من «Metaverse Group»، إحدى أولى شركات العقارات الافتراضية في العالم، ثم رفعت نسبة الاستحواذ إلى 70%.

يقع مقر «Metaverse Group» في ولاية تورنتو الكندية، ولكن لها مقر افتراضي في عالم افتراضي يسمى «Decentraland» وتحديدًا في منطقة تسمى «وادي Crypto» داخل هذا العالم، وهو الوادي الموازي لوادي السيليكون في العالم الحقيقي، يحتوي عالم «Decentraland» أيضًا مناطق للمقامرة والتسوق والأزياء والفنون.

بعد الاستحواذ، هيأت «Tokens.com» مساحة في عالم «Decentraland» لإنشاء برج كبير، هنا، دخلت علامات تجارية مشهورة مثل «Louis Vuitton» و«Gucci» و«Burberry» وغيرها من العلامات التجارية الفاخرة إلى هذا العالم لتحجز لها مكانًا في هذا البرج بعد أن دخلت هذه العلامات إلى الميتافيرس؛ هذا يعني أن برج «Tokens.com» سيحقق قريبًا إيرادات من عقود الإيجار والإعلان لعلامات تجارية مثل هذه، تمامًا كما تفعل مراكز التسوق.

 

والرموز غير القابلة للاستبدال.. عقود الأراضي

هنا ربما يأتي في أذهان البعض سؤال منطقي: كيف تسجل عقود هذه الأراضي وملكيتها؟ وكيف نتأكد أن الأرض التي يشتريها شخص لا يمكن أن يملكها غيره؟ بكلمات أخرى: أين صك الملكية؟

هنا نحتاج إلى الحديث عن تقنية أخرى مهمة مرتبطة بتكنولوجيا البلوكتشين، إنها «التوكنات» أو الرموز غير القابلة للاستبدال أو «NFTs»، حتى نشرح هذه التقنية علينا العودة للبداية، ما هو البلوكتشين؟ يمثل البلوكتشين نوعًا من قاعدة البيانات غير المركزية، والتي يمكن استخدامها لتسجيل أي نوع من البيانات عليها.

لنأخذ مثالًا هنا بالبيانات الخاصة بتحويل الأموال، إذا حولت مبلغًا ماليًّا ما إلى صديق لك، فإن بيانات عملية التحويل تسجل في البلوكتشين، ليس هذا فحسب، بل إنها تسجل هناك إلى الأبد دون إمكانية تزويرها أو التلاعب فيها. فسجلات البلوكتشين رغم أنها مفتوحة للجميع فإن بياناتها لا يمكن تغييرها بسبب فكرة هذه التقنية، والتي لا داعي للخوض في تفاصيلها الآن.

نتيجة لعدم القدرة على التزوير، ظهرت إمكانية كتابة عقود ذكية في البلوكتشين، بمعنى أنه يمكنك كتابة برنامج صغير يتمثل في الطلب من البلوكتشين تحويل عملة رقمية ما إلى صديقك بشكل تلقائي إذا أرسل صديقك منتجًا ما لك، هذا البرنامج إذًا يمثل عقدًا بين الطرفين، يطبق تلقائيًّا.

من هنا، ظهرت تقنية التوكنات «Tokens»، وهي نوع خاص من العملات الرقمية يمثل قيمة لشيء حقيقي. لنفرض أن المنتج الذي يملكه صديقك هو خواتم من الألماس، من ثمَّ سيبرمج صديقك عقدًا ذكيًّا في البلوكتشين يقول إن كل خاتم يساوي توكن واحدًا، ولنفرض أنه أطلق اسم توكن الألماس عليه.

في هذه الحالة، عندما تحوِّل أنت قيمة ثمن خاتم ألماس واحد، سيقوم البلوكتشين بتحويل توكن ألماس واحد إليك، مما يدل على ملكيتك لما عند صديقك من خواتم ألماس، وإذا أردت بيع هذا التوكن إلى شخص آخر، فهذا يعني أن خاتم الألماس أصبح ملكًا للشخص الجديد، وهكذا، الفرق الوحيد أن التوكن يعني ملكية النسخة الرقمية من هذا الشيء الحقيقي.

ما يحدث في عوالم الميتافيرس هو أن الشركات المنتجة لهذه العوالم تحوِّل الأراضي والعقارات عليها إلى توكنات، ويدخل المستثمرون لشرائها، ومن ثم يسجل صك الملكية باسمهم إلى الأبد، إلا في حالة بيعه لشخص آخر وهكذا.

شراء خريطة العالم
ربما الكلام السابق يحتاج إلى مثال للتوضيح؛ حسنًا، هناك عالم ميتافيرس يسمى «Next Earth»، والذي يمثل النسخة الرقمية من العالم الحقيقي الذي نحيا فيه، عند الدخول لهذا العالم ستشاهد خريطة كاملة للعالم الحقيقي بكامل تفاصيلها وأراضيها ومنشآتها، هناك يمكنك شراء أي منطقة على هذه الخريطة مقابل عملة «BNB» الرقمية.

في «Next Earth»، يقسم العالم إلى مربعات صغيرة كل منها يسمى بلاطة (tile)، ولكل بلاطة قيمة معينة موازية للدولار طبقًا لموقعها، في بعض المناطق ستجد أن قيمة البلاطة الواحدة 0.1 دولار، بينما في مناطق أخرى من العالم تصل قيمتها إلى 0.78 دولار.

إذا ذهبت إلى مصر مثلًا، وتحديدًا عند أهرامات الجيزة، تبلغ قيمة البلاطة الواحدة هناك 0.1 دولار، ومن أجل شراء المنطقة التي تضم هرمي خوفو وخفرع، ستحتاج إلى ألف بلاطة، أي 100 دولار. لكن بالفعل ستجد أن هناك شخصًا ما اشترى هذه المنطقة، وفي حالة رغبتك في شرائها منه فستحتاج إلى تقديم عرض مالي قوي له، خصوصًا إذا عرفت أن قيمة البلاطة في هذه المنطقة زاد ليصبح بقيمة 607 دولارات.

صورة من موقع الأهرامات داخل next earth

الأمر المثير هو أن بعض المناطق قد بيعت أكثر من مرة إلى درجة أن سعرها ارتفع بشكل جنوني. نذهب إلى فلسطين، وتحديدًا قبة الصخرة في القدس، تبلغ مساحة قبة الصخرة 9 بلاطات فقط، قيمة البلاطة الواحدة الأصلية 0.1 دولار، حاليًا ارتفع سعر البلاطة ليصل إلى 1.92 دولار، لكن يبدو أن مالك قبة الصخرة يطمع في استثمار طويل المدى؛ إذ يرغب في بيع التسع بلاطات التي تمثلها مقابل 57657 دولارًا.

صورة من موقع قبة الصخرة داخل next earth

إذا ذهبنا إلى الحرم المكي في السعودية، سنجد أن هناك من اشترى 567 بلاطة تمثل المسجد مقابل 0.1 دولار للبلاطة، التي ارتفعت قيمتها السوقية الحالية لتصل إلى 57.6 دولارات للبلاطة، يرغب صاحب المسجد في بيعه بالكامل مقابل أكثر من نصف مليون دولار.

صورة من موقع الحرم المكي داخل next earth

أطلق عالم «Next Earth» في أغسطس (آب) 2021، وسرعان ما أصبح أكبر منصة عقارية افتراضية لعالم الميتافيرس والتي تستند إلى نسخة طبق الأصل من الأرض، مع ما يقرب من مليوني دولار من القيمة الإجمالية للأرض التي يمتلكها المستخدمون حاليًا. كل هذا يعطيك فكرة على شكل المستقبل الذي سنكون عليه، فهل أنت جاهز له؟


آخر الأخبار