الخميس 20 يناير 2022
الرئيسية - أخبار بوابتي - مع استمرار تراجع "المسيحية"... هل يعود الغرب وثنيا من جديد؟
مع استمرار تراجع "المسيحية"... هل يعود الغرب وثنيا من جديد؟
الساعة 10:18 صباحاً (متابعات)

في كتابها الصادر حديثا "نهاية العالم المسيحي"، تقول المؤلفة والفيلسوفة الفرنسية شانتال ديلسول إن الحضارة التي تعتمد أعرافها وقوانينها على العقائد المسيحية اضمحلت منذ نهاية القرن الـ20، إذ تراجعت المسيحية بوصفها مرجعية مركزية للقوانين والأعراف والأخلاق، في وقت انتصرت فيه الحداثة بعد هيمنة المسيحية لقرابة 16 قرنا.

 



وتعتقد ديلسول -مؤسسة معهد هانا أرندت للأبحاث- أن ما تسميه "بوادر انهيار الحضارة المسيحية" قد بدأت تتشكل منذ مدة طويلة، وتحديدا منذ التمرد على الأعراف والقوانين الكنسية في عصر النهضة، ثم خلال عصر التنوير، حيث دخلت المسيحية مرحلة صعبة عندما تطلبت الحداثة الاعتراف بحرية الضمير، وهو ما رفضته الكاثوليكية التي بقيت معادية لليبرالية والفردية. وهكذا على مدى قرنين من الزمان، حاولت المسيحية الحفاظ على تأثيرها ونفوذها، لكنها اصطدمت بمطالب التحديث وإطلاق الحريات الشخصية.


موضة عابرة أم اتجاه للقرن الـ21؟

في العام الماضي 2021 أظهر استطلاع أجراه المعهد الفرنسي للرأي العام "آي إف أو بي" (Ifop) مؤخرًا -للمرة الأولى- أن أكثر من نصف الفرنسيين لم يعودوا يؤمنون بالله. وفي ذروة ما يُطلق عليه موسم الكريسماس (أعياد الميلاد) الحالي، أظهر استطلاع آخر أجراه مركز بيو للأبحاث حول الدين أن عددًا أكبر بقليل من الأميركيين وصفوا أنفسهم بأنهم من الروم الكاثوليك (21%) مقارنة بالمؤمنين بـ"لا شيء على وجه الخصوص" (20%). في حين أصبح جيل الألفية، الذي يضم معظم الأميركيين البالغين دون سن الأربعين، هو الجيل الأول الذي يشكل فيه المسيحيون أقلية.

 

وفي مقاله بصحيفة "نيويورك تايمز" (The New York Times) الأميركية، يقول الكاتب كريستوفر كالدويل إن الكثير من الأميركيين يشعرون أن بلادهم أصبحت أقل تدينا مما كانت عليه من قبل، ويتساءل: هل يعد ذلك مجرد موضة عابرة هذا العام أم أنه اتجاه أساسي لهذا القرن؟

 

ويتابع الكاتب: ربما نتعامل مع عملية أعمق، هذه هي حجة كتاب المنظرة السياسية الفرنسية شانتال ديلسول أننا نعيش نهاية الحضارة المسيحية، حضارة بدأت (تقريبًا) مع هزيمة معاقل الوثنية الرومانية في أواخر القرن الرابع، وانتهت (ربما) باحتضان بابا الفاتيكان يوحنا الـ23 (1881-1963) التعددية الدينية والدعوة لإصلاح الكنيسة الكاثوليكية بما يتوافق مع متطلبات العصر الحديث وتقنين الغرب للإجهاض.

 

ومع ذلك، يقدم كتاب ديلسول مؤشرات واضحة على أن ما ينتهي ليس الإيمان المسيحي بطقوسه ومعتقداته، بل الثقافة المسيحية فقط، أي الطريقة التي تُدار بها المجتمعات المسيحية والفنون، وأيضا تنتهي الفلسفة والأفكار التي نشأت تحت تأثير المسيحية.

 

وأقرت ديلسول بأن الإيمان تضاءل لكنه لا يزال موجودا، وسيكون هناك دائمًا مؤمنون، في حين أن "المسيحية ذات السلطة" والتنظيم الاجتماعي الذي تنتجه والحضارة التي تجسدها، تنازع "سكرات بطولية مؤثرة"، بحسب تقرير لصحيفة "لوبوان" (le point) الفرنسية.

 

لكن الكاتب كالدويل، الذي ألف 3 كتب عن تاريخ الأديان والثقافة، يرى أن ذلك لا يزال مبكرا للغاية؛ ففي الغرب، يتابع الكاتب، "المجتمع المسيحي هو مصدر أعرافنا الثقافية والمحظورات الأخلاقية، ناهيك عن كونه ساحة حروبنا الثقافية الحالية، مع النقاشات الحادة حول الضمائر والتماثيل وزواج الشواذ جنسيا والكهنة الذين يمارسون الجنس مع الأطفال".


انقلاب عكسي

يقول الكاتب، مؤلف كتاب "عصر الاستحقاق.. أميركا منذ الستينيات"، إن نهج السيدة ديلسول العبقري هو فحص التغيير الحضاري الجاري في ضوء نظير تاريخي له قبل 1600 عام (أي في القرن الرابع الميلادي عندما أُعلنت المسيحية الديانةَ الرسمية في الإمبراطورية الرومانية القديمة عام 330 م بقرار من الإمبراطور قسطنطين الأول).

 

قام المسيحيون -آنذاك- بما يمكن تسميته "قلب المعايير" في روما الوثنية، أي أنهم ثمنوا الكثير مما اعتبره الرومان حقيرا وأدانوا الكثير مما احترمه الرومان لا سيما في الأمور المتعلقة بالجنس والأسرة.

 

ويقول الكاتب إن ما يجري اليوم يمكن مقارنته بتلك اللحظة، إذ يجري حاليا إزالة الطابع المسيحي عن الحياة الثقافية الغربية مما يكشف عن الكثير من الدوافع الوثنية المتستر عليها. 

 

لتوضيح حجة المؤلفة ديلسول، يقول الكاتب إن ما يجري حاليا في الغرب هو تراجع عن ذلك التحول أو إعادة "قلب المعايير" لاستعادة الحالة القديمة (الوثنية قبل المسيحية).

 

ومع ذلك فإن الوثنية لم يكن لها تعريف دقيق، كانت الكلمة جامعة لمن رفض الوحي المسيحي، سواء كانوا مشركين (يعبدون آلهة متعددة) أو عابدي الطبيعة أو لا أدريين، وكانت نوعا من الازدراء.

 

بالطبع، يضيف الكاتب كالدويل، مؤلف كتاب "تأملات في الثورة في أوروبا.. الهجرة والإسلام والغرب"، لم تكن الثقافة الوثنية في روما مأثرة (إنجازا) بسيطا؛ فقد كان لديها فنانوها ومفكروها، إلى جانب دياناتها "الطبيعية "(التي تعبد الطبيعة)" القوية، ولا يمكن ببساطة تجاهلها ونفيها من الوجود، ولطالما مارست الوثنية تأثيرات كبيرة لكنها مستترة تحت الأرض على تفكير الغرب المسيحي، ويبدو ذلك واضحا في عصر النهضة، على سبيل المثال، مع إعادة اكتشاف أبيقور ولوكريتيوس.

 

وأبيقور هو فيلسوف يوناني قديم، عاش جنوب إزمير التركية حاليا بين عامي 341 ق.م و270 ق.م، وكان لمدرسته الفلسفية تأثير كبير على حوض البحر المتوسط بأكمله لا سيما أنطاكيا والإسكندرية وروما ونابولي.

 

لكنها اندثرت في القرنين الأول والثاني الميلاديين مع توسع الثقافة المسيحية، وجرى إحياؤها مجددا في النصف الأول من القرن الـ17 في سياق إحياء المذاهب الإنسانية الفلسفية الحديثة، بينما تيتوس لوكريتيوس كاروس (حوالي 99-55 ق.م) هو فيلسوف وشاعر روماني سعى -في قصيدته اللاتينية "في طبيعة الأشياء"- لإنكار الآلهة وتحرير الإنسان من مخاوفه، داعيا -مثل إبيقور- لاعتبار اللذة غاية الحياة.

 

ويقول الكاتب إنه مثل اعتقاد الوثنيين بأن انهيار معتقداتهم سيعني انهيار روما القديمة، يعتقد العديد من المحافظين في القرن الـ21 شيئًا مشابهًا حول تآكل القيم المسيحية، إذ يعتبرون أن "حريات مجتمعنا المفتوح تتطفل على ميراثنا المسيحي، وأنه عندما ينهار هذا الميراث ستنهار الحضارة أيضًا".

 

وبحسب تقرير سابق للجزيرة نت، توصف حركات "الوثنية الحديثة" بأنها أحد أبرز التيارات الدينية في الغرب خلال العقود الأخيرة، وقد رأى بعض الباحثين صعودها بمثابة تحول طبيعي في ضوء تغول العلمانية ونبذ المنظومة المسيحية التقليدية.

 

ويرى مسيحيون أوروبيون وأميركيون أن الوثنية الحديثة ليست إلا وجها آخر من وجوه المادية الغربية التي تنبذ الدين وترفض أي دور له في حياة الإنسان، وأنها إنما تقتبس من الماضي الأوروبي الأسطوري وطقوسه الغامضة في سبيل تلبية الحاجات الروحية وسد الفراغ الوجداني لدى الأجيال الجديدة في الغرب.


أخلاقيات العصر المسيحي

ومع ذلك لا ترى ديلسول الأمور بهذه الطريقة تمامًا؛ إذ تلاحظ أن أخلاقيات العصر المسيحي قد اقترضت واستعانت (من دون اعتراف) بالقيم الوثنية التي حلت محلها المسيحية (مثل الفلسفة الرواقية أو قسم أبقراط في الطب)، وبالطريقة نفسها تستند الأيديولوجيا التقدمية ما بعد المسيحية اليوم على مساعدة كبيرة من المسيحية.

 

ويتساءل الكاتب: لماذا تستخدم التيارات التقدمية مفهوم الزواج المسيحي لتوحيد الأزواج الشاذين جنسيا، على سبيل المثال، بدلاً من إنشاء مؤسسة جديدة أقل تأثرا بالقيم المسيحية (غير الزواج)؟ والإجابة هي أن هذه هي "الطريقة التدرجية" (شيئا فشيئا) التي يحدث بها التغيير الحضاري.

 

وتؤكد ديلسول، في حوار مع صحيفة "لوفيغارو" (Le Figaro) الفرنسية، أن الحضارة الغربية التي ولدت مع نهاية الإمبراطورية الرومانية، مزيج من الحضارات اليونانية والرومانية واليهودية والمسيحية، وبالتالي فلا شك في أن اندثار المسيحية يهز أركان الحضارة الغربية ويغير ملامحها، لكنه لا يؤدي إلى اختفائها.

 

وتعتقد الفيلسوفة الفرنسية أن "الإنسانية" باعتبارها المرجعية التي أخذت مكان العقيدة المسيحية في المجتمعات المعاصرة، تعد إحياء للقيم المسيحية مثل الرحمة والتسامح والتوبة والغفران والمساواة بين الجميع، لكن هذه القيم لم تعد مرتبطة بالدين، بل تستند فقط إلى العرف والتطبيقات العلمانية.


تنافس غربي

لذا، إذا جاءت حضارة أخرى لتحل محل المسيحية فلن تكون مجرد نفي وإنكار، مثل الإلحاد أو العدمية، وإنما ستكون حضارة منافسة، لها منطقها الخاص أو على الأقل أسلوبها المختلف في التفسير الأخلاقي.

 

ويقول الكاتب كالدويل إن المسيحية بوصفها دينا لها تعاليم بشأن محبة الجار والتسامح (من ضربك على خدك فأعرض له الآخر، ومن أخذ رداءك فلا تمنعه ثوبك) بشكل واضح ومثير للإعجاب. ولكن بالنسبة للمسيحية بوصفها ثقافة، على الجانب الآخر، يمكن أن تسبب ازدواجية وتناقضا. لقد أنتجت المسيحية بعض الوعاظ الأشداء، بعبارة ملطفة، لكن كان هناك دائمًا توتر بين تعاليمها (النظرية) وسعيها إلى السلطة السياسية.

 

ويضيف الكاتب أن المؤلفة ديلسول قلقة من أن التحولات الجديدة ليس لديها تردد تجاه المسيحية، فمن بعض النواحي أصبح النظام الغربي العام مشابهًا لنظام روما الوثني، إذ تم الفصل بين الدين والأخلاق، حيث كان الدين أمرًا يخص الأسرة بينما تم تحديد الأخلاق وفرضها من قبل نخب المجتمع، مما أدى إلى نتائج قاتمة لحرية الفكر.
 

المصدر : الجزيرة + الصحافة الفرنسية + نيويورك تايمز


آخر الأخبار