الأحد 17 يناير 2021
دلالات احتفاء العصابة بسليماني في صنعاء
الساعة 12:55 صباحاً
فيصل الصوفي فيصل الصوفي

  

ليس مثيرا للاهتمام، أن تنصب سرادقات، وتنظم حسينيات، للجنرال قاسم سليماني في طهران ومدن إيرانية أخرى فهو فقيد القومية الفارسية حسب وصف الحرس الثوري له.. وإن تقام في بغداد، أو في جنوب لبنان وغرب بيروت، وفي دمشق، أو حتى في غزة، فذلك من بين أمور كثيرة أصبحت لا تدعو استغراب كثيرين يتوقعون حدوث ذلك بحكم وجود طوايف شيعية في هذه البلدان، وإدراكهم للمستوى الذي بلغه تغلغل النفوذ الإيراني فيها، وعلى المكشوف..

 

أما أن تشاهد صنعاء احتفالات حزينة غير مسبوقة بذكرى اصطياد الجنرال الإيراني سليماني، وأن تنشر صوره في شوارع المدينة، وتسير من أجله مسيرات، ويتردد صوته في المنابر، ويتم التذكير بسيرته، وتمجد أفعاله في صحف صنعاء، وفي قنوات التلفزيون الحكومية بصنعاء، ثم يتم اختيار مسجد الصالح مكانا لإنشاد المدايح والتهليل بمنكرات قاسم سليماني، فهذا مثار استغراب المجتمع اليمني، ومنه بعض رجال العصابة الحوثية نفسها، الذين- على قوة اخلاصهم لها- قد ساءهم الاحتفال بالجنرال قاسم، جنبا إلى جنب مع الاحتفال بذكرى مرشدهم حسين بدر الدين الحوثي، ورئيسهم صالح الصماد، ووضع الجنرال قاسم في قلب الاحتفال السنوي بيوم الشهيد عندهم!

 

بالنسبة لنا، تعتبر دلالات هذه الخطوة هي الموضوع الأساسي.. فقد خلع عبد الملك زعيم العصابة الحوثية أوسمة التقديس والكمال على مجرم الحرب الإيراني الجنرال قاسم سليماني، إذ  وصفه في هذه المناسبة بأنه: مرتقي سلم الكمال.. نفحة بأس علي.. نفحة تفاني الحسين.. شهيد الأمة.. جندي الإسلام.. المجاهد الكبير.. ولم ينس تذكيرنا أن سليماني هو أيضا الحاج قاسم.. إن أي ناظر، أو عابر على هذه الأوصاف، سوف يلحظ أنها تدل دلالة واضحة على المكانة العليا التي تحتلها إيران في نفوس وعقول زعيم العصابة وأتباعه، كما هي تدل على التقدير الكبير لدور الجنرال قاسم، والحرس  الثوري، وفيلق القدس، في تأسيس العصابة وتقويتها، وإدراك قيمة نصيحته لها، بل أمره لها حسب تعبير الكاتب الإيراني آراش عزيزي، مؤلف كتاب قائد الظل، الذي خصصه لمسيرة سليماني، فقد أكد آرش عزيزي - بناء على معلومات مؤكدة حصل عليها من شخصيات في الحرس الثوري- أن سليماني أمر قيادة الجماعة الحوثية بالتخلص فورا من العقبة التي تنتصب أمام مستقبلها، وهي الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، رئيس حزب المؤتمر الشعبي العام.

 

والشاهد الكبير في الاحتفاء الحوثي المبالغ فيه، على مكانة الجنرال الإيراني عندهم، يجزم أن هذا الجنرال كان - قبل مقتله- الشخص الأول المعني بتوطيد النفوذ الإيراني في البلدان العربية، وأنه كان المنسق العام للعلاقات التي أقامها الحرس الثوري مع الجماعات والتنظيمات المسلحة الموالية لطهران مثل العصابة الحوثية في اليمن، حزب الله في لبنان، الحشد الشعبي وجماعات شيعية مسلحة أخرى في العراق، وفي سوريا، والتي ترتكب فضائع مشابهة للفضايع التي قام ويقوم بها فيلق لم يجدوا له صفة مناسبة غير صفة قدسي.

 

في رسالة وجهها أمس الأول، إلى عائلة الجنرال المصروع سليماني قال زعيم العصابة الحوثية إن هذا الجنرال كان حاضرا حضورا فريدا، ومسهم كبير، في كل ساحات وميادين المواجهة، ولسبب معروف، لم يشأ عبد الملك القول إن هذه المواجهة كانت وما تزال مع الشعب اليمني، وشعوب عربية أخرى.. شهادة عبد الملك هذه تدعم شهادة جاءت متزامنة معها، ولكن من طهران، هي شهادة الجنرال رمضان شريف في هيئة الأركان العامة للحرس الثوري، فقد قال هذا الأخيرإنه بفضل سليماني تشكلت – ولأول مرة منذ مائتي عام مضت-  قوة إسلامية تقاتل في صف واحد..(لاحظوا: تقاتل في صف واحد).. وإن سليماني قاد(!) جبهة عرقلت الأهداف الأمريكية.. وفي حين يصف زعيم العصابة الحوثية عملية اصطياد سليماني بأنها عملية قتل نفذها يزيد الكفر المعاصر الرئيس الأميركي ترامب، فأن إبراهيم الديلمي  ممثل الحوثي وعصابته لدى طهران، يؤكد أن المفاجئة بعد عملية يزيد الكفر، جاءت من اليمن، حيث قامت العصابة الحوثية بعمليات وانجازات ميدانية للانتقام لسليماني من يزيد الكفر! ومعروف أن اليمن كانت ساحة الانتقام، وكان المنتقم منهم يمنيون.. وخولت العصابة الحوثية مندوب الحرس الثوري حسن إيرلو النطق باسمها، بعد أن أحضرته قصدا إلى جامع الصالح ليقول إن الحوثية- بعد اغتيال سليماني- أضحت قلبا نابضا في جبهة المقاومة، وإنها اليد العليا في محور المقاومة، وقارن هذا بشهادة شهدها في الوقت عينه ممثل حركة حماس في صنعاء الشيخ أحمد بركة، فقد أقسم أن قاسم سليماني شكل العقبة أمام مشروع أميركا وإسرائيل، وإنه أوصل الصواريخ إلى غزة – وإلى صنعاء بالطبع- وإنه نقل إليهما خبرات تصنيع الصواريخ بعيدة المدى.

 

منابر وقنوات تلفزة في صنعاء، تجمعات نحيب في صنعاء، رسائل من الحوثي في صعدة، إلى عائلة سليماني في طهران، ومظاهر أخرى كثير في صنعاء وصعدة لتمجيد سليماني الذي تعتبره قيادات الحرس الثوري الإيراني، شخصية فذة جادت به القومية الفارسية! ويختلس عبد الملك الحوثي نفحات من علي والحسين العربيين، وشهود في العروبة، وكمال الألوهية، ليضع ذلك في جيب شخصية يقول الإيرانيون أنها فخر القومية الفارسية.. أليس ذلك مدعاة إضافية للعار؟ وأي فضيلة يمكن لعربي محترم رؤيتها في الجنرال الإيراني قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري .. فيلق القدس، الجماعة الإرهابية المسلحة التي طال ما ارتكبت فضايع في العراق وفي سوريا وفي لبنان واليمن.. وكيف تستوي نفحة الإمام علي، ومجرم الحرب سليماني؟.. يمجد في بلد يقال إنه منبع العروبة، رجل متعصب لقوميته الفارسية، وعرف بكرهه للعرب والعروبة، ووقف وراء كثير من الجرائم التي نفذتها إيران في بلدان عربية منذ ثمانينيات القرن العشرين وحتى اليوم.. لقد أسقطت الحوثية آخر أوراق التوت التي تسترت بها.

 


إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
آخر الأخبار