الاربعاء 16 يونيو 2021
رجل الضوء محمد علي عطية ..وداعاً
الساعة 04:33 مساءً
خالد الرويشان خالد الرويشان

اليوم حزني كثيفٌ وكئيب ،حتى أنّي أشعُرُ أنّ شعبةً من فؤادي طارت وتركَتْ فَتقاً في شغاف القلب لن يُرتق أبداً
رحيل الصديق الأكرم والأنبل الشيخ محمد علي عطية عن دنيانا
الراحل من أبناء مدينة ملاح محافظة البيضاء 
عرفته مذ كنت في العاشرة من عمري
كان الصديق الأقرب والأكثر حميميةً للوالد رحمة الله عليهما 
لماذا أسميته رجل الضوء؟
لهذه التسمية قصةٌ تستحق أن تُروى وأن تعرفها الأجيال 
اغترب الراحل الكريم في ليفربول في بريطانيا منذ مطلع خمسينيات القرن العشرين وكان يقود مظاهرات العرب واليمنيين في ليفربول مع فلسطين وقناة السويس وعبدالناصر ، وثورة الجزائر 
وما إن اندلعت ثورة 26 سبتمبر وقام النظام الجمهوري في اليمن 1962 حتى أصبح الرجل شعلةً لاتهدأ بين اليمنيين والعرب والإنجليز ..
قرّر الشاب الثائر المغترب أن يساهم في التنمية والتغيير الجمهوري فجمع مايملك هو وثُلةٌ من أصدقائه المغتربين واشتروا مُوَلِّداً ضخماً للكهرباء وأرسلوه إلى مدينة ملاح
لكن المُوَلّد المحمول على قاطرةٍ كبيرة غرّز في قاع شِرعة بعد ذمار! ، فلم تكن ثمة طريق إلى البيضاء في ستينيات القرن الماضي.
وكلما خرجت القاطرة من تغريزة دخلت في أخرى!
مرت أيام والقاطرة تراوح في مكانها!
أخيراً اتخذ المغتربُ الشاب قراراً صعباً هو وأصدقاؤه الشركاء: نقل المشروع إلى مدينة النادرة محافظة إب!
وبعد سفر أيام بين الجبال اكتشف الشاب المغامر أن وصول القاطرة إلى النادرة مستحيل! لأن جبال الأعماس أصعب من قاع شِرعة في ذمار!
ولم يكن هناك بُد من العودة  إلى مدينة يريم وهي بين ملاح والنادرة!
 كانت يريم محظوظةً بالضوء الذي هلّ عليها من حيثُ لم تحتسب!
كان ضوء الكهرباء في المدينة سحراً ومعجزةً في ذلك الوقت!
أنفق الشاب الجمهوري المغامر والنبيل معظم مايملكه وادّخرهُ في الغربة في هذا المشروع الضخم وقتها 
قد لا يعرف معظم أبناء مدينة يريم اليوم أن أسلاك وأعمدة الكهرباء التي ماتزال تضيء شوارعهم وبيوتهم القديمة هي من قبَس وضوء وعَرَق ذلك الجبين الناصع البطل الجمهوري الثائر الذي رحل عنا قبل ساعات .. الشيخ محمد علي عطية!
بل إن المُولّد الضخم مايزال جاثما حزيناً وغريباُ حتى الآن بين جوانح المدينة مثل ذكرى بعد أن استغنت عنه بالكهرباء العمومية!

كان كريماً وأنيقاً ووسيماً ورقيقاً له بشاشةُ وحنانُ ملاك!
أذكرُ وأنا ربما في السابعة وكنتُ في حمّام دمت مع الوالد أن الشيخ محمد فتح لي علبة عصير قها ، وعندما أمسكتُها اهتزّت العلبة في يدي فنزلت قطرةٌ منها على حذائه اللامع الأنيق الذي كان بلون دم الغزال حين ابتسم قائلاً شكراً لك!
شكراً لي! أرّقتني تلك الكلمة لأيام وماتزال تضيء في داخلي حتى اليوم! 
هذا كان أكبر عتابٍ يمكن أن يقوله رجل الضوء النادر! هذا هو التنوير والتثوير والتعليم سلوكاً وحياةً

اليوم تشاء الظروف القاهرة ألاّ أحضر تشييعه إلى مثواه الأخير في مدينة ملاح وألاّ ألتقي أبناءه الكرام وأسرته النبيلة العزيزة .. 
خالص التعازي إلى أبنائه خالد وحسين وعلي وإلى العزيز أحمد علي عطية وكمال حسين عطية وآل عطية  الكرام جميعاً
خالص التعازي لملاح والعرش ورداع
خالص التعازي لليمن في فلذة كبده وضوء قلبه و حنين جمهوريته ... رحمة الله تغشاه


إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
آخر الأخبار