الاربعاء 24 ابريل 2024
كرسي العمراني
الساعة 06:44 صباحاً
محمد الجماعي محمد الجماعي

"هذه أجسام حفظناها في الصغر فحفظتنا في الكبر".. سمعت هذه العبارة على لسان الشيخ محمد بن إسماعيل العمراني أيام الجامعة عندما كنا نسأله عن سر قدرته على البقاء فوق كرسيه أكثر من أربع ساعات يوميا في محاضرة واحدة تتخللها ربع ساعة فقط للاستراحة، يبقى فيها أيضا على كرسيه للإفتاء بينما يحتسي كوب شاي أو كأس عصير.

ثمانون عاما وهو جالس على كرسي التعليم والإفتاء.. ترى أي ثمن ووهج يمكن أن يمنحه هذا المنصب غير الرسمي لرجل فعل ما فعله شيخنا العمراني؟.. ها قد منحه الشعب بعد رحيله أغلى ما يمكن أن يحلم به طامح في حياته وبعد موته. "الأستاذية" مقايضة غير مكتوبة، ثمن غير مرئي وقيمته لا تقاس بأي معيار. إذ يصعب تصديق وتخيل هالة الحب والتقدير والمكانة التي منحها الشعب للعمراني كمفتي عام ومطلق بقرار شعبي منذ أجبره عل الانحياز إلى كرسيهم وليس إلى كراسي العلماء ومراتبهم الرسمية خلال ثمانية عقود.

من بين كل ما حازه انحياز العمراني للعلم والافتاء، أن أصبح مقصد القادمين إلى اليمن من أهل العلم من كل بلاد الدنيا بحثا عن إجازة متصلة السند في صحيح الإمام البخاري، الذي يعتبر القاضي محمد بن إسماعيل العمراني إلى ما قبل موته هو أقرب سندا في الدنيا يتصل بالإمام محمد بن إسماعيل البخاري رحمهما الله جميعا، إذ لا يفصل بينهما في بعض الروايات سوى أحد عشر شخصا فقط، وقد شكلت هذه المزية في عصرنا الرقمي تفردا كبيرا لشيخنا جعلته الهدف الثاني من زيارة معظم أهل العلم القادمين إلى اليمن إن لم يكن الهدف الأول.

في تاريخ اليمن العلمي ثمة مجددون كبار، هضمتهم عصور الأئمة المظلمة باسم العلم ايضا، لكن التاريخ كان حافلا بقائمة من الاسماء اللامعة، كالمقبلي والوزير وابن الأمير والشوكاني. تجمعهم مع شيخنا هذه الفرادة الشجاعة في الانحياز للدليل والاستناد إلى الحجة، وظل رحمه الله حاملا لمشعلهم والشوكاني تحديداـ  كما أن كونه الأعلى سندا إلى الإمام البخاري الذي لم يكن يعجب المذهب الحاكم باسم الآل، ليس سوى نتيجة واحدة فقط لاهتمامه بهذا العلم كإعلان تحد في وجه بيئة رفضت من قبله أئمة الهدى ومراغة العلم والفتيا والقضاء كالأربعة الآنف ذكرهم، رغم كل الحرب والتشنيع الذي تعرض له.

وإني لأرجو أن يكون اليوم الذي دفن فيه العمراني، الإنسان والقيمة، هو يوم الانطلاق لإحياء خطه العلمي ومنهجه السلوكي، فهذا هو تمام ما أشار إليه الشعب المحتل في تشييعه الكبير لإمام أئمة اليمن وشيخ علمائها وعظمائها ومعلم أجيالها.

كرسي العمراني يجب أن يصبح أيقونة لكل العلماء والدعاة وحملة الشهادات العليا، إنه الطريق الأقرب لحب الناس وامتنان الشعب، ومحصلة مراد الله عز وجل من تعظيم العلم وأهله. هذا ما رمز إليه الشعب، وليس ما حاول البعض إضفاء تفسير عقيم لردة الفعل هذه، بأنها لكونه كان محايدا، وما ينبغي لمثله أن يحايد وهو سليل مدرسة عدم الحياد في القضايا الكبرى لأمته وشعبه.

١٣ يوليو ٢٠٢١

 


إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
آخر الأخبار