السبت 22 يونيو 2024
من سفر الخيبات
الساعة 11:12 صباحاً
جمال انعم جمال انعم

أشعر بالخيبة كلما حدقت في كمّ الحقارات والقذارات التي تطمرنا وقد سلّمنا بها كواقع ثقيل الوطأة متعمدين تناسي مدى كارثيتها لما تحمله من عجزنا وتخاذلنا عن فعل ما يجب.

كتبنا طويلا محرضاً ضد التنازلات المشروطة التي تدفعنا صوب الهاوية ، ضد العيش وفق فلسفة الضعيف المقهور القانع بالمهانة وبمكانه منها، صرخنا من وجع شبيه وربما نصرخ غداً بذات الصوت طالما بقي الحال على ما هو عليه، حياةٌ تسوء مقابل الخسارة الدائمة.

أستعيد هنا بعضا من تلك السطور المشدودة على حبال الألم.

جاهرنا طويلاً بأنه لم يبق سوى هامش بسيط للحرية، ومع ذلك رضينا الوقوف على أطراف أصابعنا، وعلى القدم الواحدة في هذا الهامش المختنق، والذي لم يزل ينكمش ويضيق ويضغطنا بقوة لدرجة الانحشار، بينما الجميع يصرخون وكلما انكمشنا تأججت شهوة سلطة القهر للتمدد في كل اتجاه، زاحمة الفضاء والأرض والناس الطيبين، مستغلة في ذاك قدرتنا على التأقلم والتكيف واستجابتنا للتراجع ولو باتجاه الهاوية، واستعدادنا الدائم لتقديم التنازلات مهما تكن مقابل السماح لنا بالبقاء في دائرة الوهم، لنمارس دورنا الزائف في الدفاع عن الحرية المستلبة والكرامة والعدل والمساواة وسيادة الدستور والقانون.

يدفع الجميع اليوم ضريبة الوهم الذي تناوبوا على صنعه ودأبوا على الرضا به على علاته القاتلة بمبرر يتكئ على فلسفة العجائز.. "الحاصل.. ولا مافيش"! وهو ما يعني مرحلة متقدمة من اليأس، وموات الإرادة، وانعدام الوزن، والتباس الرؤية، وفقدان القدرة على فعل التغيير غير المحكوم بشروط القهر وخياراته المهيمنة.

ينتصب الفساد وطناً، خصماً، حكماً، سجناً، سجاناً، وقهراً عاماً، يعدو جامحاً فوق كرامة البلاد والعباد، وفوق كل الشعارات ذات اللمعان والبريق، بينما الجميع وراءه مختنقين بالغبار المثار يتلاشون في العتمة، آهات تتلوى في صدور، كلمات وبيانات عزلاء كسيحة يسحلهم الموت بحبال الصوت في كل الطرق المنسية، يستصرخون الجناة.. اعترفوا بنا ولو كضحايا لأننا لا نستطيع أن نحيا شهداء..

لقد رضيت القوى السياسية لنفسها منذ البدء أداء دور التابع وممارسة دور عبيد الإحسان.

ننكمش بحسب إرادة القوة الضاغطة نتقن قولبة أنفسنا وفق الفورمة الحاكمة نواصل انحنائنا لعاصفة تسكن القلوب، نرسم حركتنا وفق المرسوم الرسمي.

نعبر فوق بقايانا وننسى حفاظاً على البقية وما من بقية.

هذا ليس نضالاً سلمياً، هذا إسلامٌ للنضال، استسلام للعنف، تخلٍ عن المسئولية، مطامنة للعجز والخور.

النضال ما لم يكن حركة نشطة تستوعب كل الأحلام المقموعة ، ما لم يكن فعلاً مقاوماً تنسرب فيه طاقات النقمة والغضب، في أشكال رفض تعبيرية عملية وما لم يكن إستراتيجية مواجهة وبناء وبرامج فعّالة فلن يكون سوى مخّدر يمنح العاجزين النشوةً الكاذبة ويعزز لديهم وهم الحضور حتى وهم يتلاشون ويضيعون ويسقطون في الغيبوبة

٠٠٠٠٠٠٠٠

من مقال بعنوان "مهازل "


إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
آخر الأخبار