الاربعاء 8 فبراير 2023
الصنعاني والشوكاني.. مُقوضا أركان دولة الكهنوت (2)
الساعة 02:19 مساءً
بلال الطيب بلال الطيب

... بوفاة المُتوكل القاسم ارتفعت وتيرة الصراع القاسمي – القاسمي، تنافس ثلاثة من نفس الأسرة على الإمامة، وحظوا بمبايعة أغلب الأنصار، تنحى كبيرهم (يوسف بن المتوكل إسماعيل)، فانحصر الصراع بين اثنين منهم: محمد بن إسحاق، الذي جدد دعوته وتلقب بـ (الناصر)، والحسين بن المتوكل القاسم، الذي أعلن نفسه إمامًا، وتلقب بـ (المنصور)، وكان النصر بعد حروب وخطوب حليف الأخير.

اعتزل العلامة ابن الأمير الصنعاني ذلك الصراع، وتَوجه في أواخر ذات العَام إلى مَكة المكرمة، ثم إلى الطائف، ومَكث فيهما مُدة يسيرة، ثم كانت عودته الى شِهارة، وآثر في الأخيرة البقاء لثمانية أعوام، هروبًا من بطش الإمام المُنتصر، أرسل له الأخير – في مطلع العام 1141هـ – بمكتوب أمان؛ فرد عليه بعدة رسائل، توزعت بين النقد لجوره، والنصح له بإحسان.

 

كان المنصور الحسين – بشهادة كثير من المُؤرخين – ظالـمًا، غشومًا، مُذلًا لمعارضيه، تمامًا كأبيه، أشار العلامة ابن الأمير الصنعاني إلى ذلك بقصائد ومُكاتبات شهيرة، وهي بشهادة كثيرين ثورة كبرى على تلك الأوضاع، كان لها ما بعدها، ومن أشعار الأخير التي تصور ذلك الوضع، قوله:

 

في دولـــة الملك المنصــور كــم هلكت

 بــــنـــادر ومـــخــالــــيـــف وبـــلــدانُ

 

الشـرق والغـــرب منــها والتـــهايـم بل

 والبحــر قــد خافـــهـم في البحر حيتانُ

 

لا تنـس قعـــطبـــةَ إنْ كــنـت ذاكــرها 

فقـــد أبـــاح حـمـــاها قـــبـل قحـــطانُ

 

كـــذا المــعــاقــل من دمـت ومن جبنٍ

 ولـحــج طـــاف بـهــا للحـرب طـوفان

 

وهـــل نسي أحـد بيــتُ الفـقـيــه وقـــد

 صُكـــت بــأخــبــار يـــام فـيــــه أذانُ

 

كم مـــن عــزيــزٍ أذلــوه وكــم جحفوا

 مـالًا وكـــم سُلــبــت خـودٌ وظـبــيــانُ

 

كانت في العام 1148هـ / 1735م عودة العلامة ابن الأمير الصنعاني إلى صنعاء، وذلك بعد أنْ صفت الأجواء بينه وبين المنصور الحسين، وقد ولاه الأخير الخطابة في الجامع الكبير ذي القعدة 1151هـ / فبراير 1739م، ومن على منبر ذلك الجامع استمر في نشر فكره المُعتدل، ونجح في استقطاب كثير من المغيبين.

 

اختلف المنصور الحسين بن المُتوكل القاسم حينها مع أقرب الناس إليه، أخيه حاكم تعز الأمير أحمد، انفصل الأخير بتعز، والحجرية، ومدَّ نفوذه إلى إب، والعدين، والمخا، وشرع في استقبال المتذمرين من حكم إمام صنعاء، وفتح بابه لأصحاب الآراء، وكان بحكم مكوثه بمدينة تعز أقرب إلى مذهب أهل السنة، وعُرف عنه تهجمه على المذهب الزيدي.

 

وفي العام 1156هـ، وبعد وساطات مُكثفة، توصل عدد من العلماء – كان العلامة ابن الأمير الذي توجه إلى مدينة تعز أبرزهم – لحل الخلاف الدائر بين الأخوين، واشترطوا بقاء مدينة تعز، وجبل صبر، وشرعب تحت نفوذ الأمير أحمد، على أنْ يُعلن ولائه لأخيه. وفي العام 1158هـ جدد ذات الأمير تمرده، طامحًا هذه المرة بضم الحجرية – التي خسرها في الجولة السابقة – لحكمه، مُستعينًا بمجاميع يافعية، وقد قدم حينها الشاعر أحمد بن حسن الرقيحي حلَّه الناجع لذلك الإشكال المُتجدد قائلًا:

 

صنـوان قـد سقيا بـمـــاء واحد

 والفضل خال من كلا الأخوين

 

جرحا قلـوب العالمين فما لها

 مـن مـرهــــم إلا دم الأخوين

 

 

شدد المنصور الحسين على أخيه أحمد هذه المرة الخناق، جيَّش له قوات قبلية جلها من بكيل، بقيادة الشيخ هادي بن علي حبيش، كبحت تلك القوات جماح الأمير، واستقرت بتكليف من إمام صنعاء في أطراف مدينة تعز؛ وذلك منعًا لأي حركة تمرد قد يقوم بها حاكمها، وما تواجد بيت السفياني، والبرطي، والبحر، وحبيش في تلك المناطق إلا امتداد لذلك التواجد، ليأتي التواجد البكيلي الثاني – سنأتي على تناوله – بعد مرور 78 عامًا، وشمل هذه المرة عدة مناطق من محافظة إب.

 

توفي المنصور الحسين صبيحة يوم السبت 23 ربيع الأول 1161هـ / 22 مارس 1748م، والصراع بينه وبين أخيه الأمير أحمد على أوجه، ورث ولده – الإمام الجديد عباس، الذي تلقب بـ (المهدي) – ذلك الصراع، فيما تمادى العم (أحمد) في طموحاته، وأعلن نفسه إمامًا، تلقب الأخير بـ (الهادي)، وصك العملة باسمه، وانفصل بتعز وإب عن الدولة القاسمية، واكتفى بحكمهما.

 

استمرارًا لمساعيه الإصلاحية، عمل العلامة ابن الأمير الصنعاني على تلطيف الأجواء بين العم وابن أخيه، وقيل أنَّ إمام تعز (الهادي أحمد) تنحى – بعد مرور ستة أشهر من دعوته – بفعل ذلك، وقيل أنَّ الخلاف لم يتبدد إلا بوفاة ذلك الإمام – في العام التالي – بمدينة تعز، تاركًا ذريته هناك، وهم من عُرفوا – فيما بعد – بـ (بيت الباشا)، وكم كان الشاعر الرقيحي مُحقًا في تشبيهه؛ إذا ما اعتبرنا دم الأخوين نهايتهما.

 

عمل المهدي عباس في العام التالي (1162هـ) على تقريب العَلامة ابن الأمير الصنعاني منه، وكلفه بالإشراف على الأوقاف، وقد باشر الأخير عمله باقتدار، ثم ما لبث أنْ اعتذر، مُبتعدًا عن مُغريات الحكم، مُتفرغًا لإلقاء الدروس، والكتابة، وقد تجاوزت مُؤلفاته الـ 300 كتاب، موزعة ما بين كتب كبيرة، وصغيرة، ورسائل قصيرة، ومن أشهر كتبه: (سبل السلام)، و(عمدة الأحكام)، و(تيسير النقاد إلى تيسير الاجتهاد)، وله – أيضًا – أشعار كثيرة جُمعت في ديوان.

 

كان للعلامة ابن الأمير الصنعاني حُسادًا ومُغرضين كُثر، ومن الأسرة القاسمية نفسها، استغلوا قيامه باختصار خطبة الجمعة 5 جمادى الأولى 1166هـ / 9 مارس 1753م، وعدم الدعاء لجدهم (المنصور القاسم بن محمد)، واشتكوه للمهدي عباس، وهددوا بقتله في حال لم يقم ذات الإمام بحبسه، فما كان من الأخير إلا أنْ نفذ طلبهم، وزاد على ذلك بأنْ حبس 30 فردًا منهم.

 

أرخ ابن الأمير العلامة الصنعاني بإسهاب لتفاصيل تلك الحادثة، وقال أنَّه مكث في قصر صنعاء مسجونًا لمدة شهرين، في حال حسن، ومنزل مناسب، ودخول من يحب دخوله إليه، وأضاف أنَّ السبب الحقيقي لتكالب أولئك المغرضين عليه؛ يعود في الأصل لانشغاله بعلم السنة النبوية، والتدريس فيها، والدعاء إليها، ونشرها فوق المنابر، وميل أكثر الناس إليها، وأضاف أنَّ ذات الاتهام طال المهدي عباس أيضًا، وأنَّهم – أي أولئك المتعصبين – أكثروا في هذا الشأن الأشعار والهذيان، وزاد على ذلك شعرًا نقتطف منه:

 

وما حبســـــوني أننـــي جئت منكــرًا 

ولا أنني نافست في الحكم والكرسي

 

ولكنـــــــني أحييت شـــــــرعة أحمد

 وأبرزتها شمسًا على العُرب والفرس

 

وقال عن مُعارضيه بشكل عام:

 

وأنكر منهجي قوم حيارى

 رموني بالسهام من الملام

 

أحاط بهم سرادق كل جهـل

 فما يمشون إلا في التعـامي

 

ومن لبس الجهالة وارتداها

 رأى منها المناسم كالسهام

 

كان ابن الأمير الصنعاني علامة عصره، برع في جميع العلوم، وفاق الأقران، وتفرَّد برئاسة العلم، وعمل بالأدلة والاجتهاد، ووهب نفسه لإعلاء كلمة الحق، وناضل في سبيل ذلك في شجاعة نادرة، وجرت له مع مُتعصبي الزّيدِيّة مناظرات كثيرة، وصلت ذروتها خلال العام 1182هـ / 1768م (عام وفاته)، وهي المحنة التي وقف المهدي عباس فيها إلى جانبه.

 

 

قال العلامة ابن الأمير الصنعاني عن أولئك المُتعصبين: «جعلوا الحق تبعًا لأهوائهم، ومايزوا بين الناس بأنسابهم لا بأعمالهم»، فاتهموه بهدم المذهب، وعملوا على تشويه سمعته، ثم ناصبوه العداء، وتآمروا عليه، وهموا بقتله، وهنا شكاهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلًا:

 

فـــــإني قـــد أوذيــت لنصـرتي

 لسنــتك الغـراء في البـر والبحر

 

وكم رام أقــوام وهمـوا بسفكهم 

دمي فأبى الرحمـن نيلي بالضر

 

وحين لم تنجح مُحاولات مُتعصبي الزّيدِيّة في القضاء عليه، عملوا على مُراسلة القبائل الشمالية، واستثارتها لإنقاذ المذهب الزيدي، فيما تولى القضاة من آل العنسي في برط مهمة التحشيد، عُرف الأخيرون بتشيعهم المبالغ فيه للعلويين، وهم في الأصل ليسوا من رجالات الدين المُلمين بالشرع الحنيف؛ بل كانوا من فقهاء القبائل الذين لا يعرفون إلا لغة التكفير، والسيف، والغنيمة، التصق بهم أيضًا لقبا (البرطي)، و(العكام)، وقيل أنَّهم من سُلالة عبهلة بن كعب بن عوف (الأسود العنسي).

 

طالب آل العنسي صراحة بإخراج ابن الأمير من صنعاء، ثم بدأوا بشن غاراتهم على تلك المدينة، وضواحيها؛ مُتذرعين بذات السبب، وقادوا القبائل الشمالية بغزوات جنونية، وعاثوا في مُعظم المناطق اليمنية نهبًا، وخرابًا، وعنهم قال ابن الأمير:

 

قد شابهـــوا الكفــــار في أقوالهم

 للرسل بالتهـــــديد والــــــترهيبِ

 

ولنخرجنــك يا شعيــــــب ومثله

 قالوا للوط وهـو غير مــــــريب

 

فلنا برســـل الله أحسن أســــوة

 ولهم بأهل الشرك شر نصيب

 

كانت القبائل الشمالية شبه خاضعة لحكمها الذاتي، ولم يكن للمهدي عباس أي سلطة عليها، شنَّ ابن الأمير هجومًا حادًا عليها، وأرَّخ لغزواتها الجنونية قائلًا: «فإنهم يخرجون مرة أو مرتين من سنة ألف ومئة وثلاثة عشر، ولم تبق جهة من الجهات اليمنية والتهامية إلا هتكوها، ونهبوها، وقتلوا من قاومهم»، وزاد على ذلك شعرًا نقتطف منه:

 

كم أباحــــوا مــــن كـل ما حرم الله 

وكم أيـــتــمــــوا مــن الأطــــفـــال

 

وكم وكم مــن مـحـارم هــتكــوها

 واستــــباحـــوا النفــوس والأمـوال

 

ولكم يـعبـثــــون بــــالـناس دهــرًا 

بــقــبـــيــــــح الأفعـــال والأقــوال

 

توفي العلامة ابن الأمير الصنعاني في 3 شعبان 1182هـ / 12 ديسمبر 1768م، عن 83 عَامًا، وهو كما أرعب الأئمة السلاليين حيًا، أرعبهم ميتًا، وهذا المنصور محمد حميد الدين (والد الإمام يحيى) قال فيه: «محمد بن إسماعيل الأمير ليس منا أهل البيت»! وظل في المقابل نجمًا مُشعًا في سماء النضال، مُلهمًا لأحرار اليمن التواقين للتحرر من العنصرية السُلالية والكهنوت، وعنه قال المناضل عبد السلام صبرة: «كان النجم الذي أشرق بنوره على سماء اليمن المظلم، والذي أضاء بنوره الطريق لكثير ممن كتب الله لهم الانعتاق من قيود التقليد الأعمى، والتعصب المقيت» (2).

 

الهوامش:

 

(أ) لم يقتصر التجديد في الفكر الديني على علماء قحطانين، فهناك علماء عدنانيين كُثر نبذوا التقليد، وانتصروا للعقل، كان العلامة محمد بن إبراهيم الوزير أبرزهم، وقد مثل ظهوره بداية الصحوة الفكرية والعقلية لمنازلة الانحراف الذي بدأ يشوه الفكر المعتزلي. وقد أغضب فكره المُتحرر هوى المُتعصبين، فناله من أذاهم الكثير.

 

هو إمام زمانه، تتلمذ على يد كبار علماء صعدة، وصنعاء، وتعز، ومكة، وتهامة، وبرع في علوم الكتاب والسنة، واستكمل أدوات الاجتهاد، وارتفع في مُعالجته لمشكلات العقيدة وقضاياها عن المنهج الكلامي الجدلي، وعن العصبية المذهبية المقيتة، وقال عن نفسه:

 

أصول ديني كتاب الله لا العرض

وليس لي في أصول غيره غرض

 

ولد العلامة الوزير بداية عام 775هـ / 1373م في شظب بصعدة، وذلك بعد عامين من تولى الطاغية صلاح الدين محمد الإمامة، و كان من أنصار ولده المنصور علي، اتهمه المهدي أحمد بن يحيى بـالمُجون؛ وذلك بعد أن دخل معه في مناظرات فكرية، وقد انتقلت تلك العداوة إلى عدد من علماء الزيدية المُتعصبين، كان حفيد المهدي الإمام يحيى شرف الدين أبرزهم، أوغل الأخير في قدحه، ولقبه بـ (إمام الحشوية)، واتهمه بأنه تزوج بنكاح المتعة 300 امرأة، ووصفه بأنَّه أكثر الناس تخليطًا في امور دينه، وعلمه، وعمله، واعتقاده، وقال فيه: «كان تارة يتمخلع تمخلع الفساق، وتارة يعتكف ويتصوف تصوف العشاق»! قال عنه العلامة الشوكاني مُشيدًا: «هو رجل عرفه الأكابر، وجهله الأصاغر»، وقال عنه ابن ابي الرجال: «كان سبَّاق غايات، وصاحب آيات وعنايات، بلغ من العلوم الأقاصي، واقتادها بالنواصي، وترجم له الطوائف، وأقر له المؤالف والمخالف». وصنف في الرد على مُتعصبي الزّيدِيّة، كتابه الأشهر: (العواصم والقواصم)، وحين ارتفعت وتيرة أذيتهم له، اعتزلهم في الجبال حتى توفي مطلع عام 840هـ بــالطاعون، وقال عن هجرته تلك:

 

ولا عار أنْ ينجو كريـم بنفــــسه  

ولكن عـار عجـزه حيـــن ينصر

 

فقد هاجر المختار قبلي وصـحبه 

وفرَّ إلى أرض النجــاشي جعفر

 

(ب) تجاوز العلامة الحسن الجلال في اجتهاداته الكثير من القواعد الجامدة في المذهب الزيدي، وكان له رأي جريء في عدم ثبوت الإمامة في العلويين، رغم أنَّه من نسل مؤسسها الأول الهادي يحيى بن الحسين؛ ليدخل – بسبب ذلك – في صراعات مريرة مع مُتعصبي الزّيدِيّة، وصلت لقيام بعضهم بإحراق كتبه، ونعتها بــ «العظام التي لا لحم عليها»، وعنهم قال العلامة محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني:

 

وجــــفـــاه قـــوم مــــا دروا

كيف السميـــــن من الهزال

 

وكذاك فاضل كــــــل عصر

عرضــة لــذوي الضـــلال

 

من صار فــــــردًا في الكمال 

رموه بالــــداء العـــضال

 

من ذا تــراه سـالـــمــــــــًا 

في النـــــــاس من قيل وقال

 

وقال أيضًا:

 

إن جهل القاصرون رتبته

فذاك مما يزيد في عظمه

 

يا نادر الذهن دع معاتبة

وداو قـــلبًا نشا على ألــــمه

 

كان العلامة ابن الأمير من جملة المتأثرين بالعلامة الجلال، عكف على تدريس كتابه (ضوء النهار في شرح متن الأزهار)، والذي فيه نقد للإمامة، وتفنيد للكثير من مثالبها، ثار حينها المتعصبون، فرد عليهم في حاشيته بـ (منحة الغفار على ضوء النهار).

 

العلامة محمد بن علي الشوكاني هو الآخر أثنى على الجلال ثناءً كَبيرًا، وقال فيه: «هو بحر عجاج، متلاطم الأمواج». أما تلميذه إسماعيل بن صلاح الأمير (والد العلامة ابن الأمير الصنعاني) فقد امتدحه ورثاه قائلًا:

 

لله در الـجــلال مــــــــن عــلــــم

يجرى صـــــواب العلوم عن قلمه

 

كــأنَّـه فـــي جميـــــعــــــها مـــلك 

ممكن والفنـــون مـــــن خـــــــدمه

 

إن كنت مُستــــرشدًا تـــــريد هدى 

فخذ بنــــــور الدليــــــل من كلمه

 

قد غربل العلم فانتـــــــــقاه فـــما 

لصاحب المنتــــــــقى سوى قدمــه

 

إن ينكــــــروا فضله فـــــلا عجب

أن ينكـــروا حـاتمًا مع كــــــرمه

 

أينكـــــروا علمــــه وقــــد شهدت 

آثـــــاره بـــاـرسوخ من قــــــدمه

 

من مؤلفات الجلال: (تكملة الكشف على الكشاف، والشمسية، وشرح التهذيب في المنطق، وشرح على الكافية في النحو، وشرح على منتهى السؤل لابن الحاجب)، وله في أصول الدين: (شرح الفصول، وشرح مختصر المنتهى)، وله أيضًا شعر بديع، اقتطفنا منه:

 

فالمشكلات شــــــــواهد لي أنني 

أشرقــــت كل مـحـقــــق بلعـــابه

 

لــولا مـحـبــة قـدوتي بمحـمـــد 

زاحمت رسطــــــاليس في أبوابه

 

وحين عين المتوكل إسماعيل ولده الأصغر الأمير الحسن قائدًا على أحد الجيوش، وأقطعه اللحية، ومور، والزيدية، والضحي، وما إليها من جهات تهامة، قال الجلال مُستشهدًا بأبيات الوزير المهلبي:

 

طــــفـــل يـــرق الـمــــــــاء في 

وجنـــــــــاته ويــرق عـــــــــوده

 

ويكــــاد من شبه العـــــــــذارى

فيـــــــــــــه أن تبــــدو نـهـــــوده

 

ناطوا بمنطـــــــــق خصره سيفًا 

ومــــنــــطــقـــــــه يــــــــــؤوده

 

جعـــلـــوه قــــائــــد عســـــكر

ضــــــاع الرعـــــيل ومــن يقوده

 

ولد الجلال في رغافة منتصف عام 1014هـ، وهي قرية تقع شمال صعدة، وتعد أحد معاقل الأئمة المشهورة، وهجر علمائهم، وتوفي في الجراف 22 ربيع الآخر 1084هـ / 5 أغسطس 1673م، وحين وقف العلامة ابن الأمير بعد مرور 49 عامًا على قبره 1133هـ، قال راثيًا:

 

جادت على قبـــــــــــر الجــــــــلال 

عيني بــــدمـــع ذي انــــــهــــمــــال

 

ووقفــت فــــــــيـــــه مـــــــدلـهــــا

أبكي على فــــــقـــــــد المـــعـــــــالي

 

(ج) العلامة صالح بن مهدي المُقبلي من أكثر أعلام اليمن الذين تعرضوا للمحاربة والتشويه؛ والسبب نبذه للتقليد، ودخوله مُناظرات مع علماء عصره، وصلت إلى حدود المنافرة، وفيهم قال: «وإذا حضر إليهم الرافضي من فارس، نظروا اليه وكأنه ملاك هبط عليهم من السماء»، وزاد على ذلك: «إئتني بزيدي صغير، أخرج منه رافضيًا كَبيرًا»، وحينما قال في بعضهم:

 

قبــــح الإلــــــه مُفـــرقًا 

بين الرابة والصحــابة

 

من كــــــان ذلك ديــــنه  

فهو السفيه بلا استرابه

 

أتاه الرد من أحدهم:

 

أطرق كرًا يا مُقبلى  

فلأنت أحقر من ذُبابة

 

والأدهى والأمر من ذلك أنَّ الخسة وصلت ببعضهم بأن طعنوا بنسبه، ويؤكد ذلك قول الشاعر الحسن الهبل:

 

والـمـقــلي نــاصـــبـــــي 

أعمى الشقـــــاء بصره

 

لا تعجبوا من بغضــــــه 

للعتــــــرة الـمُــطهــرة

 

فـــأمــــــه معـــروفــــة  

لكن أبـــوه نـــــكــــرة

 

ولد المقبلي عام 1047هـ، في قرية مقبل، من جهة لاعة، ونشأ في ثلا، وتعلم فيها وفي كوكبان، ثم انتقل إلى صنعاء، وفيها عاصر كبار غلاة الزّيدِيّة. كان بليغ النثر، شديد الإقناع، قوي الحجة، وله مؤلفات عدة، أشهرها: (العلم الشامخ في إيثار الحق على الآباء والمشايخ، والابحاث المسددة في مسائل متعددة، والإتحاف لطلبة الكشاف، والأرواح النوافخ، والأبحاث المسددة، والمنار على البحر الزخار)، وقد أجملها الشوكاني بقوله:

 

لله در الـمــقـــبــلى فـإنــــه 

بـحــر خضم جــان بالإنصاف

 

أبحاثه قد سددت سهما إلى

نحر التعصب مرهف الأطراف

 

وقال عنها الحسن بن إسحاق بن المهدي أحمد بن الحسن:

 

حافظ على كتــب الإمام المقبلي

وعلى فـــوائده الـجــليلة واقبل

 

واقبل نصيحتـــه بتركك مهنة الـ

تقليد وانظر في الأدلة واعمل

 

وقال الشوكاني عنها وعنه: «في عباراته قوة، وفصاحة، وسلاسة تعشقها الأسماع، وتلتذ بها القلوب، ولكلامه وقع في الاذهان، قلّ أن يمعن في مطالعته من له فهم».

 

ومما قاله العلامة المقبلي عن أئمة عَصره نقتطف: «قالوا قد كانت الكلمةُ للجبر والتشبيه، وهما كفرٌ، فالدَّار دارُ كفرٍ اسْتفتحناها بسُيوفنا، فنصنع ما شِئنا، كخيبرَ ونحوها، حتى روى لي من لا أتهمُه، أن رجلًا هو أفضلهم، وصَّى عاملَهم أن يتحيَّلَ في الأخذ إلى قدر النصف، كأنها معاملة؛ ولكن على وجه لا يُنفِّر، وكان الوالي على اليَمَنِ الأسْفَل، تعز وإب وجبلة وحيس وسائر تهامة يقول لهم فيما يبلغنا إذا شَكوا الجور: لا يؤاخذني الله إلا فيما أبقيت لكم!».

 

بعد أن ارتفعت وتيرة مؤذاة غلاة الزّيدِيّة لـه، عاف المُقبلي المقام باليمن، ورحل سنة 1080هـ بأهله إلى مكة المُكرمة، وهناك اتهمه بعض العلماء بـ (الزندقة)؛ بل اشتكوه إلى السلطان العثماني محمد الرابع، إلا أن الأخير انتصر له، بعد أن أرسل عددًا من العلماء لاختباره.

 

ظل المقبلي مُرتبطًا بما يدور في بلده من أحداث، ولم يتوقف عن مراسلة الأئمة، وإسداء نصائحه الصادقة لهم، وكانت آخر رسائله لصاحب المواهب، وقد خاطبه في إحداها قائلًا: «فإن أهل يافع مثلًا، وأهل صعدة إن قاتلتموهم على الإسلام فهم مسلمون يشهدون شهادة الحق.. وحاصل حربكم مفسدة ظاهرة، قتل النفوس، وإهلاك الأموال، وظهور العجز». توفي المقبلي في مكة 1108هـ، وقد كانت حادثة انصاف السلطان العثماني له، سببا لانتشار كتبه في بلاد الترك، وقد جاء أحدهم بعد وفاته من داغستان إلى صنعاء، واستقر فيها مدة باحثًا عن مآثره، وفي هذا الباحث تحقق قول القائل: «لابد من صنعاء وإن طال السفر».

 

(د) يحيى بن الحسين بن الإمام القاسم بن محمد، مؤرخ، بحاثة، له نيف وأربعون كتابًا، منها (أنباء الزمن في تاريخ اليمن) جزآن، و(بهجة الزمن في حوادث اليمن) كالذيل للأول، و(العبر في أخبار من مضى وغبر)، و(المستجاد في بيان علماء الإجتهاد)، و(طبقات الزّيدِيّة)، و(غاية الأماني في أخبار القطر اليماني) مجلدان. جرت بينه وبين بعض علماء عصره منافرة كبيرة؛ لأنه كان كأبيه ميالًا للعمل بالكتاب وصحيح السنة النبوية، ولهذا فقد أهمل هؤلاء ذكره في مُصنفاتهم. ومن مؤلفاته التي توضح منهجه: (صوارم اليقين في الرد على القاضي سعدالدين)، ويعني به القاضي سعدالدين المسوري، وله رسالة أخرى بعنوان: (مزيل الخفى في تعظيم صحابة المصطفى)، وقال الـمُؤرخ جحاف عنه أنَّه عُرف بـ (السني)، وفي عام 1099هـ كانت وفاته، عن 64 عامًا، وقيل أنَّه تعمر أكثر من ذلك.

 

(هـ) هو القاضي الشاعر على بن محمد بن أحمد العنسي، ولد أواخر القرن الحادي عشر الهجري، وانتقل من صنعاء مكان مولده، إلى العدين مكان نبوغه وإلهامه، ونشأ في الأخيرة بكنف والده الذي كان يعمل خطيبًا وواعظًا دينيًا، وقد نبغ منذ فجر شبابه في علوم الشريعة والتدريس، حتى اشتهر وذاع صيته، واختاره تبعًا لذلك الإمام صاحب المواهب محمد بن أحمد لتولي القضاء في تلك البلاد.

 

ألهمت طبيعة العدين الخلابة القاضي علي العنسي ليبدع أكثر، وفيها صاغ معظم روائعه الشعرية، وهي الروائع التي جُمعت في ديوان مَطبوع اسمه (وادي الدور)، حققه الشاعر يحيى منصور بن نصر، وصدرت طبعته الأولى عام 1962م، ومن يُطالعه، يرى فيه – كما أفاد محقق الديوان – شاعرًا مطبوعًا، وعاطفة تبيح أسرارها إلى عاطفة، وقلبًا يتحدث إلى قلب، وأضاف ابن نصر: «والعنسي مصور بارع، وحساس دقيق، يبتكر ولا يُقلد، وينتهج سبيله العاطفي بدوافعه الشعرية الفياضة».

 

من جهته قال عنه الشاعر الكبير عبد العزيز المقالح: «علي محمد العنسي، شاعر فنان، تحول عنده الشعر إلى غناء، والغناء إلى شعر، يأتي – زمنيًا بين شرف الدين والآنسي، وهو وإن كان أقل كمًا شعريًا من الاثنين، إلا أنَّه قد كان أجود منهما شاعرية، وأغزرهما ثقافة وعلمًا، وقد مكنته ثقافته الواسعة من اصطناع لهجة عامية تجمع بين الفصاحة والرقة، والبساطة والتعقيد».

 

استمر القاضي علي العنسي بعد وفاة صاحب المواهب في منصبه، وقد نقله المُتوكل القاسم من العدين إلى وصاب، وعينه قاضيًا على تلك البلاد، إلا أنَّ مكوثه فيها لم يستمر طويلًا؛ فقد وشى به – كما أفاد المُؤرخ زبارة – عاملها شرف الدين بن صلاح، وهو الأمر الذي أدى لحبسه، ولم يستمر مُكوثه أيضًا في ذلك السجن طويلًا، فقد رضي عنه إمام صنعاء، وعينه حاكمًا على بلاد الحيمة.

 

توفي القاضي العنسي في الحيمة جمادى الآخر 1139هـ، وذلك قبل وفاة المُتوكل القاسم بثلاثة أشهر، وقيل أنَّه مات مسمومًا، وعن تلك النهاية المأساوية قال الشاعر عبدالعزيز المقالح: «وقد ظلت الوشايات تلاحق الشاعر العنسي وتتهمه بمعارضة نظام الحكم، حتى قيل أن الإمامة دست له السم في طعامه، فمات، وذهب ضحية موهبته واستنكاره لما كان يرتكب الأئمة في عصره من طغيان وفساد، وإلى ما كان يقوم به هؤلاء الأئمة من إقطاع أموال المواطنين لأنصارهم، وإسكان الجنود في منازل الفلاحين باسم الخطاط.. إلخ».

 

مراجع:

 

تحفة الأسماع والأبصار بما في السيرة المتوكلية من غرائب الأخبار – سيرة الإمام المتوكل على الله إسماعيل بن القاسم 1019 – 1087هـ، المطهر بن محمد بن أحمد بن عبدالله الجرموزي، تحقيق: عبدالحكيم بن عبدالمجيد الهجري، مؤسسة الإمام زيد بن علي الثقافية، ط1، 2002م، ص 401 – 602 – 604 /  بهجة الزمن في حوادث اليمن، يحيى بن الحسين، تحقيق: عبدالله الحبشي، بعنوان: يوميات صنعاء في القرن الحادي عشر 1046 – 1099هـ، منشورات المجمع الثقافي، أبو ظبي، ط1، 1996م، ص 91 –  119 – 161 – 162 – 163 –  209 – 210 – 223 – 241 –  242 – 244 – 245 –  252 –  254 – 255 – 256 –  278 – 298 / العلم الشامخ في تفضيل الحق على الآباء والمشايخ، صالح المقبلي، المكتبة اليمنية للنشر والتوزيع، صنعاء، ط2، 1985م، ص 270 / تاريخ اليمن عصر الاستقلال عن الحكم العثماني الأول من سنة 1056هـ إلى سنة 1160هـ، محسن بن الحسن بن القاسم بن أحمد بن القاسم الملقب أبو طالب، تحقيق: عبدالله الحبشي، مطابع المفضل، ط1، 1990م، ص 129 – 137 – 138 – 141 – 146 – 147 / ديوان ابن الأمير الصنعاني، مطبعة المدني، 1964م، ص 312 – 313 – 347 – 348 / البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، محمد بن علي الشوكاني، حققه وعلق عليه محمد حسن حلاق، دار ابن كثير، دمشق، ج1، ط1، 2006م، ص ص 58 – 146 – 191 / ج2، ص 328 / اليمن في ظل حكم الإمام المهدي، المعروف بصاحب المواهب، د. محمد بن علي الشهاري، مكتبة الجيل الجديد، ط1، 2009م، ص 27 – 31 / ابن الأمير وعصره صورة من كفاح شعب اليمن، قاسم غالب أحمد وآخرون، المراكز الإسلامية الثقافية في اليمن، ص 49 – 52 – 55 – 56 – 151 – 152 / تاريخ اليمن الحديث، العمري، ص 61 – 62 – 63 – 64 / الشرائح الاجتماعية التقليدية في المجتمع اليمني، قائد نعمان الشرجبي، دار الحداثة، بيروت، ط1، 1986م ، ص 124 – 125 / فتوى الإمام المتوكل على الله إسماعيل والفتوى المضادة للإمام المجتهد الحسن بن أحمد الجلال، د. عبدالعزيز قائد المسعودي، مجلة (الإكليل)، العددان 29 – 30، يناير – مارس 2006م.المتاهة.. الحلقات المفقودة للإمامة الزيدية في اليمن، بلال محمود الطيب، مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر، ط1، القاهرة، 2021م، ص 220 – 221 – 288 – 293 – 294 296 – 298 – 300 – 306 363.

درر نحور الحور العين في سيرة الامام المنصور وأعلام دولته الميامين، لطف الله بن أحمد بن لطف الله بن أحمد بن جحاف، تحقيق إبراهيم بن أحمد المقحفي، مكتبة الإرشاد، صنعاء، ط1، 2004م، ص 21 – 37 – 96 – 97 – 98 –  108 – 109 – 110 – 118 – 137 – 138 – 139 – 140 – 159 – 160 – 164 – 178 – 185 – 192 – 194 – 195 – 210 – 213 – 219 –  543 – 633 / وادي الدور، القسم الحميني من ديوان القاضي علي العنسي، تحقيق: يحيى بن منصور بن نصر، مكتبة الإرشاد، صنعاء، 2009م، ص 5 – 6 – 13 – 14 – 19 – 20 / ديوان ابن الأمير، ص 67 – 112 – 186 – 205 – 213 – 214 – 216 – 225 – 306 – 315 – 316 – 332 – 333 – 334 – 335 – 336 – 395 – 396 – 397 / تقاريظ نشر العرف لنبلاء اليمن بعد الألف إلى سنة 1357هـ، محمد بن محمد بن يحيى زبارة، ج1، ط2، مركز الدراسات والبحوث، صنعاء، 1985م، ص 215 – 216 – 362 / نيل الوطر من تراجم رجال اليمن في القرن  الثالث عشـر، محمد بن محمد زبارة، ج2، تحقيق مركز الدراسات والأبحاث اليمنية، صنعاء، ص 120 – 297 230 / ابن الأمير وعصره، قاسم غالب وآخرون، ص 5 – 9 – 10 – 13 – 125 – 126 – 127 – 128 – 133 – 134 – 143 – 152 – 168 – 169 – 170 – 171 – 175 – 179 / مئة عام من تاريخ اليمن الحديث، حسين بن عبدالله العمري، دار الفكر، دمشق، ط1، 1984م، ص 26 – 57 – 62 – 100 – 102 – 104 – 105 – 107 –  109 – 110 – 111 – 112 – 113 – 144 / الإمام الشوكاني رائد عصره، حسين بن عبدالله العمري، دار الفكر المعاصر، بيروت،  ط1، 1990، ص 101 / هجر العلم ومعاقله في اليمن، القاضي إسماعيل الأكوع، ج1، دار الفكر، ط1، 1995م، ص 1588 – 2251 / محمد بن إسماعيل الأمير، رائد مدرسة الإنصاف في اليمن، محمد عبدالله علي زبارة، صنعاء، 2007م، ص 11 – 38 – 48 – 58 – 68 / المتاهة، الطيب، ص 307 – 308 – 312 – 313 – 324 – 338 – 339 – 346 – 347 – 348 – 359 – 360 – 363.

 

 

* حكمة يمانية


إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
آخر الأخبار