الخميس 3 ابريل 2025
أحزاب تعز: هي الوحيدة الباقية واليمن تنتظرها
الساعة 03:32 مساءً
د. عبدالقادر الجنيد د. عبدالقادر الجنيد

عندما زرت تعز قبل ثلاث سنوات، تواصلت مع كل من أقدر على التواصل معه وبالتأكيد التواصل مع كل الأحزاب.
وأصلا أنا أعرف معظم الحزبيين على مدى عشرات السنين.
وكل الأحزاب والحزبيين اليمنيين، يقبلون مني النقد الصريح وحتى اللوم والعتاب والمساءلة، بدون ألم أو زعل أو شك وارتياب كما يحدث بينهم وبين بعضهم.
**
أولا: أهمية الرأي الآخر
**
١- الرأي السائد
*
من أهم الأشياء في أي مجتمع أن توجد آراء تتحدى الرأي السائد.
القيادة الحازمة، مهمة.
وحدة الصف، مهمة.
لكن لا يوجد أي رأي سائد كامل الأوصاف، حتى لو كان هو الأفضل والضروري للمرحلة.
لكن لا أحد معصوم من الخطأ.
لكن الرأي السائد والقيادة الحازمة، حتى لو كانوا ضمن المستحسن وضمن المتعارف عليه، فإنه بدون وجود من يكشف سلبياته أو عيوبه الأصيلة أو العيوب المكتسبة بمرور الوقت إنما هو طريق إلى الفشل والنكسات والاضطرابات.
ويبقى معنا تقاعس القيادة عن القيام بأدوارها، أو أنها تعمل لكنها تفشل، أو أنها تتجاوز القانون، وسوء التنفيذ، والفضاضة، والقمع، والفساد التي بالتأكيد تتفشى في غياب كشف العيوب والنقد أو التحدي الذي لا يأتي بالسماح للرأي الآخر بالظهور.
باختصار، قد تكون الديموقراطية سيئة ولكنها تبقى أفضل من أي نظام حكم آخر.
٢- حرية التعبير
ما هو شعور الإنسان الذي عنده رأي يريد أن يقوله ولكنهم يكممون فمه ويلجمون لسانه، وإذا تكلم فإنهم يشتمونه أو يخطفونه ويسجنونه وقد يقتلونه (!) (؟)
هذه ليست حياة.
وحتى إذا كان هناك تجاوز، فالواجب على من يتصدر للعمل العام واعتلاء المناصب أن يتقبل حق الناس في إبداء رأيهم.
لكن يجب أن تكون هناك ضوابط في منع التشهير والقذف واغتيال الشخصية وتسفيه المعتقدات.
**
ثانيا: الوحدة اليمنية
**
هذا حدث فريد، على مستوى كل العالم العربي.
أنا مازلت على رأيي بأن الفضل الأول في تحقيق الوحدة اليمنية، يعود لانهيار الإتحاد السوفييتي.
صحيح أن الوحدة، كانت في قلب كل اليمنيين شمالا وجنوبا، ولكن لماذا انتظرت لمجيئ جورباتشوف والبيرسترويكا حتى تتحقق؟
دخلت الحزبية رسميا في النظام السياسي اليمني بعد قيام وحدة الشمال مع الجنوب.
وجاءت معها حرية التعبير.
لا أحد يعرف حلاوة التعبير مثلنا نحن الذين عشنا تحت ظل حكم الرئيس صالح في الشمال وفي نفس الوقت تحت ظل حكم الحزب الاشتراكي في الجنوب، ثم فجأة وبدون مقدمات توحدت اليمن.
قبلها، لم يكن أي أحد يستطيع أن يتكلم.
بعدها، استطعت أنا وغيري أن نقول ما نشاء.
ربما الشيء الوحيد الذي تنعمت وابتهجت أنا شخصيا بداخله، كان هو حرية التعبير.
حصلنا على حرية التعبير لأنه كانت هناك قوتان عسكريتان تعادلان بعضهما البعض.
عندما توافقت القوتان، كان هناك أمن وسلام ونوع من حرية التعبير
ولكن كانت هناك محاصصة ومناصفة ونيات مبيتة داخل كل قوة بعدم التعايش مع الآخر ولكن بالفتك به بالوسائل الديموقراطية، وهذا هو ما حصل فعلا بعد انتخابات برلمانية ١٩٩٣ التي همشت الحزب الاشتراكي الذي كان ما يزال معه قوة عسكرية.
حاول الحزب الاشتراكي تغيير المعادلات ب "تصحيح مسار الوحدة".
وحاولت كل اليمن إنقاذ الوحدة والديموقراطية والدولة بإنجاز "وثيقة العهد والاتفاق".
ولكن الأقوى المسلح بالقبلية والمناطقية والدينية، فتك بالقوة العسكرية للحزب الاشتراكي وطرد قادته وقام بعد ذلك باجتثاث أساساته وقواعده وممتلكاته بعد انتصاره في حرب ١٩٩٤.
"من يكتب يُلبج"
*
هذه كانت مرحلة مقيتة بعد حرب ١٩٩٤
عادت اليمن إلى كتم الأنفاس وكأن شيئا لم يكن.
ضاعت حرية التعبير والأحزاب والديموقراطية.
وكانوا يخطفون ويخفون ويضربون ويسجنون من يتكلم أو يكتب.
**
ثالثا: تجمع أحزاب اللقاء المشترك
**
هذا حدث فريد آخر، تميزت به اليمن.
استطاع الاشتراكيون والناصريون والإخوان المسلمون أن يتجمعوا معا.
كان أقرانهم في مصر وغيرها من البلدان العربية ينتفون شعور رؤوسهم غيظا من هؤلاء العقائديين اليمنيين الذين لا يدركون تناقض الاشتراكية مع القومية مع الدين.
وكان اليمنيون يبتسمون لهم ويحاولون بلا جدوى أن يشرحوا ويفسروا.
الأمر ببساطة، هو أن الرئيس صالح قد عبث بهم كلهم واستعملهم لبعض الوقت ثم نذقهم ونبذهم، فاضطروا لأن يتجمعوا.
وتكاثر المتجمعون وأصبحوا مغناطيسا يجذب كل من قد تأذى من الرئيس صالح.
ربما كان أخطر المنجذبين، هم مجاذيب الإمامة والنزعات العنصرية التي كان اليمنيون قد ظنوا أنهم قد تخلصوا منها في ثورة ٢٦ سبتمبر ١٩٦٢
وعادت القدرة على ممارسة حرية التعبير في اليمن ولكن بدون قوة عسكرية.
**
رابعا: أذن من طين وأذن من عجين
**
اكتشف الرئيس صالح بأنه يستطيع أن يفتخر أمام أوروبا وأمريكا بأن معه ديموقراطية ويتلقى الجوائز واشهادات على حكمته وسعة صدره.
ولكن اكتشافه الأكبر كان أنه أشطر بكثير من الأحزاب والديموقراطية وحرية التعبير.
*الأحزاب، كان دائما يسبقها بمسافات باستعمال قدراته على التواصل مع النخب والناس العاديين وتحكمه بوزارة المالية، واستعماله للمفاتنة.
*الديموقراطية، غلبها ومسخها وسفخها ب "تفريخ الأحزاب" التي نسخ بها صورة طبق الأصل من كل حزب وكل مجموعة.
*حرية التعبير، كانت مكفولة ولكنه ركب أذنا من طين وأذنا من عجين.
يستطيعون أن يتكلمون كما يشاؤون ويسلط عليهم أحزابه المفرخة وهو مرتاح بين نوع الطين والعجين الذي في أذنيه والنوع الآخر الذي يلطخهم به.
**
خامسا: الديمقراطية في ظل الحوثية والشرعية
**
في ظل الحوثية،
هناك قمع وتعذيب وخطف وإخفاء وسجن وقتل ومصادرة أملاك وتفجير بيوت من يتكلم أو يعارض.
وهناك تفريخ أحزاب.
وهناك أبواق بإسم الأحزاب السابقة.
في ظل الشرعية،
عدنا إلى أيام آذان المسؤولين التي من طين ومن عجين.
لو تقول ما تقول، لا شيئ يتغير، فالمجلس الرئاسي ورئيس الوزراء والوزراء والمحافظين ولوردات الحرب وقادة الميليشيات قد ملؤوا آذانهم بالطين والعجين.
**
سادسا: أحزاب تعز
**
في اليمن، لم تعد هناك أحزاب بقيادات وأسماء ومقرات وبيانات ومواقف ومظاهرات واحتجاجات إلا في تعز.
ولكن أحزاب تعز:
*يكرهون بعضهم البعض بقدر ما يكرهوا فساد السلطة المحلية.
*يتجملون مع لوردات الحرب والميليشيات نكاية بمنافسيهم من الأحزاب.
*يتسابقون للتعامل مع المنظمات الغربية وفروعها المحلية والسفريات والندوات بالرغم من إدراكهم أنهم كلهم نشاطات مخابرات، لكي لا يتركوا المسرح لمنافسيهم فقط.
*يفقدون قلوب وعقول الأغلبية الصامتة وفقدوا الأمل في أن تحصل اليمن على خير منهم مثلهم مثل أعضاء المجلس الرئاسي.
**
سابعا: رسالة إلى أحزاب تعز.
**
نحن نتخبط في كل مكان نبحث عن قشَّة نتعلق بها ونحن نغرق.
واليوم سنتعلق بهذه الرسالة:
*
هناك قمة كبيرة تنتظركم، إذا تمكنتم أولا من كشف الفساد بالإسم والصوت والصورة والزمان والمكان.
وهذا إنجاز أو معركة تنتظر من عنده وضوح الرؤية والتصميم.
١- لا يوجد عند كل الأحزاب ما يستحق المهادنة وغض النظر من أجله.
مثلا، معركة تحتاج عدم شق الصف.
٢- الهدف عظيم.
وهذا يحتاج ويستحق بذل الجهد، والاستمرارية، والتصميم.
٣- الحذر من التعرض للإغواء أو الإغراء أو الفتور في منتصف الطريق.
٤- تصوروا وتخيلوا كل التحديات والسبناريوهات من الآن وحالا.
تخيلوا ما سيواجهكم؟ ومن سيواجهكم؟ وكيف سيواجهكم؟ وكيف ستتغلبون على ما يواجهكم؟
يجب تخصيص مجموعة من الآن لهذه المهمة.
٥- تحتاجون للإعلان عن المعارك الصغيرة المتتالية التي ستخوضونها لكي يعرف الناس أن هناك من يعمل ولكي تستطيعون أن تجذبوا الناس معكم.
يجب أن يزداد عدد من ينجذب إليكم في كل معركة.
لا تتباهوا ولا تتفاخروا، ولكن تواضعوا.
استعملوا المفردات والكلمات والجمل المقبولة من الناس.
استعملوا البساطة وتخلوا عن الشعارات والجمل المعقدة الغامضة وتجنبوا التنظير.
٦- المكان والزمان وتعز واليمن، تحتاج من يقوم بهذا من قبل من معه انضباط،  وتراتبية هرمية، والقدرة على الثبات.
وليس من قبل المصيحين في الوسائط الاجتماعية وأصحاب الهوشليات والترندات.
٧- النجومية بانتظار أحزاب تعز.
تستطيع أحزاب تعز، الفوز بالنجومية لنفسها أولا كأحزاب، وأن تعزز أهمية الديموقراطية، والقدرة على العمل المشترك، وأن تجعل من تعز ضوء منيرا لكل اليمن.
اليمن كلها تحتاج هذا الضوء من تعز لتبدأ أول خطواتها على طريق النجاة.
ولتنبعث كل الأضواء في كل أرجاء اليمن.
إما أن تضيئ تعز لليمن طريقها أو يخبو هذا الضوء وتترك اليمن في عتمتها.ش


إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
آخر الأخبار