السبت 22 يونيو 2024
عن مسلسل فتح الأندلس
الساعة 01:18 مساءً
عبدالسلام القيسي عبدالسلام القيسي

 

أعتقد أنني قرأت، قرأت المرور السريع من الجزيرة إلى الجزيرة ومن يثرب إلى قرطبة، وبينهن دمشق حاضرة الأموي، والعبور إلى الأندلس، ومن حقي محاكمة مسلسل فتح الأندلس، الذي يعرض حالياً، لمخرج كويتي ..

اللباس المختلف الخارج عن سياق الملحمة العربية البربرية أول غلط في المسلسل، الديكور في المسلسل يعيدنا فقط إلى العصور الوسيطة للإسلام، عصر العرب والترك والمماليك والنحت، والنقش، والمدن المكتظة، والزنقات المعروفة، ولا يوحي بعصر الغبار الممتد من الجزيرة إلى طنجة، من العرب وإلى البربر !

طينة العرب والبربر واحدة، سيرة الغبار والصحراء، وشجاعتهما واحدة، وعدم وجود حواضر ومدن كما لدى الإمبراطوريات الكبيرة، يعتمدون على التنقل والتخفي في الجبال، كما العرب، في مرحلة قبل وبعد الإسلام، حتى هذبتهم الحضارة، والمدن، في قلب الإمبراطوريات الكبيرة، فارس والروم وفي مصر والأندلس والمغرب.

خطأ كبير للمسلسل، أن يوحي أن المدنية الكبيرة للعرب بذلك الشكل الذي يلبسونه، فاللباس يوحي بنوع المدن التي تركوها خلفهم، وكذلك أن يوحي بمدينة طنجة وهي حاضرة كبيرة، وهذا عكس التأريخ، وأصوله.

يجب كتابة النص وإخراج العمل، أي عمل، بمقتضى الماضي، لا الحاضر، يجب أن نقول كيف كان عبر الدراما وماذا حدث لا أن نقول ونكتب ونمثل عما يجب أن يكون وأن يحدث، والانبهار المخزي بالمدرسة التركية لا يناسبنا كعرب، لا يناسب تأريخنا، التأريخ القائم على الحقيقة وليس على الأسطورة كالأتراك، فنحن لا نبعث أساطير ولا نختلق أحداثا، ولا نرسم صورة جديدة للمكان والزمان العربيين، بل ننقله للجمهور كما كان.

سهيل جباعي، ممثل جيد، أدى دوره في مسلسل عمر بجدارة، بطولة سعد بن أبي وقاص،كبطل، وأجاد دوره، لكنه هذا الرجل نفسه، سهيل جباعي، لم يلق بدور طارق بن زياد، الفتى الشجاع، وتحول الى داعية في المسلسل، مسوح الرهبان، يصعب عليه أن ينطق الكلمة، وبعد انتهاء المسلسل لن يتذكر أحد هذا البطل، ولن يغلب عليه دوره، البتة.

قبل إنتاج الدور التأريخي يجب دراسته، وفهمه ووعيه وخاصة من جانب الشخصية، تطابق الشخصية الأصلية والدرامية، كالذي أحدثه حاتم علي في مسلسلاته، فلا يزال سلوم حداد هو الزير، نشاهده وهو القعقاع ونتذكر الزير، وهو المتنبي ونتذكر الزير، وإلى حياته الحقيقية نشاهد سلوم حداد ببدلة وربطة عنق يشرب كوكتيل ونتذكره الزير سالم، وهذه من المخرج، حسب جدارة المخرج، فلا زال عابد فهد بدور جساس هو جساس، في كل مسلسل، حتى في مسلسل بقعة ضوء الاجتماعي، نراه جساس فقط..!

والسياق الأموي، الفتوحات في المغرب، والأندلس بعمق الملك الأموي، لا زالت وجوه العرب هي ذات الوجوه في سوق عكاظ قبل ظهور النبي محمد، ميزة الدولة الأموية أنها عربية الصميم، لم تغادر النشاط العربي في الصحراء والطبيعة الجافة، وإظهار العربي كموسى بن نصير بهيئته وكأنه باشا تركي ذهب والياً على الجزائر خطأ كبير لا يغتفر ..

حتى في النطق، نعلم أن القوط لغتهم مختلفة، جعل الفريق القوطي في المسلسل يتحدثون العربية ولم يجيدوها بالطبع ليس إلا دلالة كبيرة على أن الكٌتاب الستة الذين كتبوا المسلسل والمخرج كذلك لم يقرأوأ التأريخ بل يجهلون كل الجهل الجانب الأدبي والسياسي والاجتماعي لتلك المرحلة، والجانب الفني، والموسيقي، من خلال الموسيقى التصويرية الخارجة عن منطق القرن الأول للإسلام، بل أكبر مذبحة حدثت بالجانب الموسيقي في المسلسل فلم تجسد حالة العرب ولا البربر وبالطبع لم تجسد حالة القوط، وكان الأحرى اعتماد الموسيقى الأندلسية، التي كانت هي المزيج الخرافي من تمازج الثقافات بين العرب والبربر والقوط والرومان، في دنيا الأندلس، وإلا لماذا سميت الموسيقى الأندلسية في قلب الوجود العربي في إسبانيا؟ لأنها مزيج بين ثقافات كثيرة، أسيوية أفريقية وأوروبية ..

وفي العمق،راية الجيش الأموي المشكل بالعرب والبربر في إفريقية بيضاء وبالمسلسل كانت خضراء، وهذا إيحاء لعين، يجب نفيه.

ولو تطرقنا إلى المغالطة التأريخية لمسلسل فتح الأندلس بشأن البربر لأحتيج إلى وقت وشرح طويل، وما خلفته دراما الربح الرمضاني من صراع، وأتابع حجم الصراع الذي خلفه مسلسل فتح الأندلس بين ما هو عربي مغربي وبين ما هو عربي مشرقي وهذا أهون الأمر، فلقد أحدث صراعاً وأعاد جذوة الخلاف بين ما هو أمازيغي وبين ما هو عربي،

بل بين ما هو مغربي وما هو جزائري، تخيلوا!

إنتاج مسلسل فتح الأندلس قطري كويتي مشترك، كل شيء تتدخل فيه قطر تحوره وتصيبنا منه بالعمق، كل المال القطري يتحول إلى طعنة في الخاصرة..

شاهدت المخرج محمد العنزي وهو يقول هناك خلاف كبير بين أصول طارق بن زياد، فارسي عربي بربري، لذلك قررنا عدم التطرق لأصله..

يريد القول : ربما يكون من فارس ..

هذه كذبة، محاولة صنع بطولة للفرس على حساب التأريخ، فمجرد نفي أنه ليس من البربر يعني وضع احتمال أنه من فارس، مجرد احتمال، وهذا الاحتمال يزيف الذاكرة التأريخية،

ليس للفرس أي دور في الفتح في كل عصور الإسلام،

ونحن العرب، كل العرب، يعلمون أن طارق بن زياد من البربر، لذلك أطلق عليه مولى موسى بن نصير، فالعرب لا يطلق عليهم لقب المولى، رغم أني أستنكف المرويات التي تقول أن طارق مولى، ولكن لإثبات بربرية طارق..

هذا المسلسل مهمته إعادة اللهيب التأريخي وإشعال الصراع في الوعي الشعبي، بين العرب، وخطره كبير، ويجب أن نقول نحن المشارقة، أبناء المشرق العربي، الحقيقة وأن هذا المسلسل لا يمثلنا، البتة، ولا يعنينا أبداً ..

كل المرحلة تلك قامت في الشمال الإفريقي، بالبربر، ولندع طارق، فلماذا يتم تحاشيهم وعدم ذكرهم؟

يجب أن نعترف بالحقيقة التأريخية: البربر بالشمال الإفريقي أسبق من العرب ثم كانت العربية اللسان، أسلموا، تعلموا العربية، ثم تعربوا، كما تعربت الشام، وتعربت مصر..

الذين يشمرون سواعدهم لأعمال لا ترقى لخبرتهم وقدرتهم يضرون من حيث اعتقدوا بأنفسهم المنفعة، وهكذا فعل مسلسل فتح الأندلس، ربما بحسن نية، وربما لمقاصد .

هذا تحامل كبير، وإيحاء لعين، من المخرج، وفي البرومو، النيران تحيط بطارق، إخراج طارق من حالته الحقيقية إلى حالة فانتازية، وأتذكر المذبحة التي حدثت في مسلسل سيف بن ذي يزن كلما شاهدت فتح الأندلس، مذبحة بحق الحقائق، والتأريخ .

نقلا عن  صحيفة الديوان المغربية


إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
آخر الأخبار