السبت 13 ابريل 2024
الرئيسية - منوعات - مهاجر خدع المجتمع النرويجي باختراع كاذب.. القصة كاملة
مهاجر خدع المجتمع النرويجي باختراع كاذب.. القصة كاملة
الساعة 10:28 صباحاً (متابعات )

وليد أحمد شاب نرويجي المولد باكستاني الأصل، خلال فترة قصيرة صار رمزا للنجاح والتفوق، بعد الإعلان عن اختراعه شاحنة بطاريات تعمل بالأشعة الشمسية لشحن الهواتف المحمولة، فاستُقبل بالترحاب من قبل وزراء نرويجيين وشخصيات عالمية بارزة، كما رحبت به العائلة المالكة النرويجية، واهتمت به وسائل الإعلام لدرجة وصف بعضها أنه “مارك زوكربيرغ النرويج”، في إشارة إلى صاحب فكرة “فيس بوك”.

 



لكن كل هذا تغير فجأة بعد أن ألقت الشرطة الفيدرالية الأمريكية القبض عليه، ووجهت إليه تهمة التحايل الاقتصادي والكسب غير المشروع، وبعد الحكم عليه بالسجن لمدة 11 عاما، أضحى الشاب شخصا منبوذا لا أحد يذكره.

 

يهتم الوثائقي النرويجي “ثق بي” (Stol på meg) بقصة صعوده السريع وهبوطه المدوي، لكنه يريد قراءتها من منظور يختلف عن الذي تقدمه وسائل الإعلام، وذلك من خلال الإحاطة الدقيقة بشخصيته ومعرفة الظروف التي دفعته للتحايل، وأيضا تتبع الأضرار التي لحقت بسمعته وسمعة جالية مهاجرة افتخرت به، ثم شعرت بالإحباط الشديد بعد كشف حقيقته.

 

وليد أحمد.. صورة مُضخمة لاختراع لا نظير له

في فبراير/شباط من هذا العام يكون وليد أحمد قد قضى مدة محكوميته، وبالتالي تكتسب قراءة المخرج “إيميل ترير” العميقة لشخصيته وقصته المثيرة معنى توثيقيا أهم من الملاحقة الصحفية السريعة، لأنه خلال سنوات سجنه لم يتركه، بل تابعه وهو داخل السجن، وظل يتواصل معه ويطرح عليه الأسئلة عبر جهاز إرسال صوتي، لأن إدارات السجون الأمريكية تمنع الصحفيين وغيرهم من مقابلة السجناء.

 

ولكي ينقل جانبا مهما من شخصيته وتكوينه النفسي يستغل صانع الوثائقي إحدى زيارات إخوته له في سجن فولكستون في ولاية جورجيا الأمريكية، وينقل عنهم انطباعاتهم عنه، لقد كان شخصا وديعا وجذابا وطموحا، يريد تحقيق أشياء لم ينجح في تحقيقها غيره. يجرب كل شيء جديد بنفسه، تلك الصورة يكملها مدرس له في المرحلة المتوسطة، لقد كان ميّالا للانعزال، نراه غالبا وحيدا يسير في أرجاء المدرسة، كما أنه لم يكن يجيد التعبير عن أفكاره كتابة.

 

أما صورة وسائل الإعلام له فكانت مضخّمة لدرجة يتوقف عندها الوثائقي، لأن عددا غير قليل من المشتغلين في حقل الإعلام الرصين وجهوا لها سهام النقد، لإهمالها التدقيق المطلوب في المعلومات التي نشرتها عنه، وعن اختراعه الذي اعتبرته إنجازا علميا ومشروعا تجاريا لا نظير له، من دون دراية ولا بحث معمق لمحتواه.

 

“النرويج الخضراء”.. شاحنة هواتف تعمل بالطاقة الشمسية

بدأت قصة صعوده عام 2022 حين أعلن وليد أحمد وصديقه “فليمنغ بوردوي” عن توصلهما لاختراع شاحنة هواتف محمولة تعمل بالطاقة الشمسية، وذلك من خلال تركيب ألواح ضوئية مباشرة بها، وبمجرد تعرضها لأشعة الشمس أو أي ضوء مهما كان خافتا كضوء المصابيح المنزلية، فإنها خلال وقت قياسي تقوم بالشحن المطلوب.

 

ربط وليد بين اختراعه وبين التوجه العالمي للحفاظ على نظافة البيئة، لكون شاحنته قادرة على تقليص حجم الاستهلاك الكهربائي، وبالتالي تُسهم في تقليل الأضرار التي تلحق بالبيئة، كما أنها تساعد على تقليل مصاريف المستهلك.

 

للتوافق مع كل ذلك سمّى شركته التي أسسها مع صديقه “النرويج الخضراء”، وقد رحبت المؤسسات الاقتصادية والرسمية النرويجية بالاختراع، واعتبرته منجزا وطنيا ورمزا لنجاح عملية الاندماج الاجتماعي، لكون صاحبه من أصول أجنبية، ويعد مثالا للشاب الطموح الذي يبدأ من الصفر.

 

فكرة الشحن بالطاقة الشمسية جيدة لكنها غير مطبقة في الواقع

على المستوى الإعلامي راحت الصحف تكيل المديح للمخترع واختراعه، وتنقل كل ما يروجه عن مشروعه الذي يدعي أنه يلقى قبولا وطلبا متزايدا من دول كثيرة.

 

عبقرية انبثقت على ساحل دبي.. اضطراب الرواية

لم تبق فترة الانبهار والاحتفاء الرسمي به على نفس مستواها التصاعدي، إذ بدأت بعض الشكوك تُثار حول قصة اختراعه، فقد ادعى أن فكرته انبثقت من دبي، أثناء زيارته السياحية لها مع صديقه “فيلمنغ”، ففي إحدى المرات أثناء استجمامه على الساحل نفذت بطارية تلفونه، فخطرت على باله فكرة شحنها بضوء الشمس الذي كان يغمر الساحل بقوة.

 

أظهرت اللقاءات الصحفية الكثيرة معهما تناقضا بين روايتيهما عن تلك التجربة، فارتباك سرد صديقه لقصة دبي أثارت شكوكا حول مصداقيته، ودفع “يوناس بليك باكين” الصحفي المختص في الشؤون الاقتصادية في صحيفة “داغينس نيرنغليف” النرويجية المرموقة للبحث عن صحة ما يدعي، فاكتشف أن القصة ملفقة، وأن فكرة المشروع لم تكن من بنات أفكاره، بل نقلها من موقع صيني مختص بالابتكارات، وأن مخترعها قد باع منها خمس نسخ فقط.

 

يأخذ الصحفي عينة من المحمول الذي صدقت النرويج كلها قصة نجاحه، ليعرضها على خبراء في إحدى الجامعات النرويجية، ويؤكد له الخبراء أن الجهاز لا يعمل وفق ما يروج له صاحبه، وأنه يحتاج لطاقة أكبر بكثير من الطاقة العادية التي تحتاجها الشاحنة التقليدية، وقد أكدوا له أن الفكرة طموحة وجيدة للبيئة، لكن الشاحنة لا تتوافق معها عمليا.

 

بعد نشر التحقيق يعترف صديقه بأن قصة دبي قد اختلقها زميله أحمد، وطلب منه ترديدها وعدم التراجع عنها.

 

حبل الكذب.. سمعة وعلاقات ووضع اقتصادي جيد

يتوقف صانع الوثائقي عند هذا الجانب من شخصيته، أي المتعلق بعدم التوقف عن الكذب والاستمرار به، مما سهل عليه تمرير حيله على الناس.

 

اختراع وهمي باعته له وسائل الإعلام

كانت وسائل الإعلام واحدة من العناصر المساعدة له للتغطية على أكاذيبه، إذ يقابل الوثائقي مجموعة من الإعلاميين الذين كتبوا أشياء يعترفون بعد وفات الأوان أنهم لم يدققوا فيها، وأن الرغبة في النشر والتوافق مع المزاج العام أوقعهم في أخطاء استفاد منها الشاب الذكي.

 

يوافق وليد أحمد على هذا التوصيف، ويخبر المُخرج بأن الإعلام ساعده كثيرا على بيع مشروعه. وليعمق البحث في تكوينه الشخصي يسأله صانع الوثائقي عن السبب الذي يمنعه من التوقف والاعتراف بالخطأ بعد إثارة الصحافة الشكوك حول مشروعه؟

 

يجيب بأنه وجد نفسه في وضع اقتصادي جيد وسمعة جيدة محمية بعلاقات وأسماء يمكن التمترس خلفها من دون إثارة الشكوك، لقد أراد استغلال ذلك الوضع المثالي الذي وجد نفسه مؤهلا فيه لخداع أكبر عدد من الناس.

 

نقل اللعبة إلى الولايات المتحدة.. خطأ فادح

يمضي الوثائقي في عرض المساحة التي توفرت له للتحرك على مستويات أكبر من النرويج، فرغم كل ما نشر عنه في النرويج، فقد قرر الانتقال إلى الولايات المتحدة الأمريكية، منطلقا من قناعة بأن الناس هناك والمؤسسات الاقتصادية الأمريكية لا تقرأ الصحف النرويجية.

 

استغل الأموال التي حصل عليها وبعضها من أقارب له خدعهم بمشاريع اقتصادية وهمية، ليقدم نفسه على أنه رجل أعمال غني، فقد حصّن نفسه بكل المظاهر التي تقنع الناس بذلك، إلى جانب احتفاظه بالصور التي يظهر فيها واقفا إلى جانب شخصيات عالمية مرموقة، مثل “كوفي عنان” و”العائلة المالكة النرويجية” وغيرهم.

 

لقد أسرف في تبذير الأموال على النساء والحفلات التي كان ينظمها في فنادق فخمة، ويدعو إليها كبار رجال الأعمال، ويخدعهم بمشاريع وهمية ليحصل منهم على ما يريد، لكن لم يخطر بباله أن رجال الشرطة الأمريكية يتابعون تحركاته بعد أن وصلتهم شكاوى من بعض الذين قام بخداعهم، إلى جانب علمها المسبق بطبيعة ممارساته في النرويج.

 

وهم الخلاص في أمريكا للشاب النرويجي من أصول باكستانية إلا أنه ارتكب خطأ فادحا بذلك 


يكرس الوثائقي وقتا لعرض نشاط الأجهزة الأمنية الأمريكية في ملاحقته سرا في انتظار اللحظة التي يلقون القبض عليه متلبسا، بعد جمعهم أدلة كافية تثبت تورطه في أعمال تجارية غير مشروعة، وترويجه لمشاريع اقتصادية وهمية.

 

11 عاما.. حكم ثقيل لجريمة شخصية اقتصادية

بعد تثبيت الأدلة التي تدينه يحكم القضاء الأمريكي عليه بالسجن لمدة 11 عاما، معظم المشتغلين في الحقل القانوني يؤكدون للوثائقي أن الحكم كان ثقيلا جدا، بالنظر لقضية تتعلق بالجرائم الشخصية الاقتصادية، بما فيهم المحققة الأمريكية التي تولت التحقيق معه.

 

يثبت الوثائقي الحالة النفسية التي يعيش فيها من خلال حوارات متبادلة معه تجري عبر جهاز الاستقبال الصوتي، إذ يتضح منها أنه يقضي فترة من سجنه في زنازين منفردة، ويعيش حالة خوف حقيقي، بسبب وجوده بين أخطر المجرمين اللاتينيين.

 

يلمح الوثائقي إلى الربط بين أصوله واستخدامه تهديدات وتعابير حادة في مراسلاته وكتاباته على وسائل التواصل الاجتماعي، خلال فترات عاش فيها حالة من العزلة والشعور بالتمييز بسبب أصوله الشرقية، فربما توقف عندها المحققون الفيدراليون والادعاء العام، وربما كان لها تأثير في الحكم الثقيل الذي صدر بحقه.

 

وسام الاستحقاق.. جريمة تمس سمعة الجالية الباكستانية

من ناحية أخرى يربط الوثائقي بين أفعاله الإجرامية وبين الأضرار المعنوية التي لحقت بسمعة عائلته، والإحباط الذي شعرت به الجالية الباكستانية في النرويج، بعد أن منحته الجمعية النرويجية الباكستانية وسام الاستحقاق، وذلك لدوره في تقديم المثال الجيد على الاندماج الحاصل بين الجانبين.

 

 

وسام الاستحقاق من الجالية الباكستانية بعد تثمينه

يراجع الوثائقي تاريخ العلاقة التاريخية بين الجانبين، فقد بدأت مع الهجرة الأولى للعمال الباكستانيين إلى النرويج عام 1974، وجاءت عائلته في أواسط ثمانينيات القرن المنصرم، واستطاعت التكيّف مع الظروف الجديدة.

 

أراد الأب أن يكون ولده الأصغر متفوقا دراسيا مثل بقية أولاده الذين أصبحوا أطباء ومهندسين، غير أن الابن لم يكن ميالا للدراسة. ويعترف للمخرج بأنه كان يريد الصعود إلى القمة من دون المرور بالمراحل الدراسية الطويلة، كان يشعر بأنه مختلف ويعاني من التمييز العنصري في مدرسة مدينة “يتر إينباك” الصغيرة التي كان الأجنبي الوحيد فيها، لهذا قرر أن يكون ثريا، ولا يهم من أي طريق يأتي الثراء.

 

بقايا آلام الطفولة.. عزلة وطريق غير مشروع إلى التفوق

أراد وليد أحمد التفوق على بقية الطلبة بالغنى والثراء غير الشرعيين، ولم يحسب رغم ذكائه النتائج المنتظرة من السير في طريق الخطأ. ينقل لإخوته إحساسه بالندم، لكنه يعبر لهم في نفس الوقت عن ارتياحه الشديد بعد مصارحته لهم بما تعرض له في طفولته من انتهاك جنسي أثر عليه كثيرا، وجعله منعزلا يخشى الاقتراب من الآخرين.

 

ينقل الأخوان لصانع الوثائقي حقيقية تعرضه في طفولته لاغتصاب من قبل أحد أقاربهم، وليس من داخل العائلة، وأنه ظل صامتا لم يفش بالسر خوفا من الأهل، حتى حلّت اللحظة التي بدأ يشعر فيها داخل السجن بأن عليه بدء حياة جديدة ينسى فيها كل ماضيه الملتبس.

 

يسأل المخرج وليد عن ما إذا كان عليه الوثوق بكلامه، يجيبه ضاحكا بأنه شخصيا غير متأكد من ذلك.

 

يترك الوثائقي الجواب مفتوحا على كل الاحتمالات، فما كان يهمه في المقام الأول هو معرفة الشخصية التي يشتغل عليها، والكشف عن الظروف التي أوصلتها إلى نهايات لا يتمنى أحد الوصول إليها، من دون نسيان أو إهمال ذكر العوامل المساعدة على ذلك، بما فيها خفة وسائل الإعلام والمظاهر الاجتماعية الكاذبة.

المصدر : الجزيرة نت


آخر الأخبار