آخر الأخبار


السبت 5 ابريل 2025
قام النظام الاقتصادي الرأسمالي ببساطة شديدة على قاعدتي التنافس وعدم جواز تدخل الدولة بأنظمة حماية يترتب عليها الاضرار بالمستهلك الذي يترجم بكل ما يؤثر في عنصر الجودة والسعر .
أما التنافس فيعبر عنه بالمزايا النسبية ، بما في ذلك الادارة ، والتي تمكن هذه الشركة من النجاح والاستمرار وتدفع الأخرى إلى اشهار الافلاس .
خضع نظام الحماية لمناقشات اقتصادية وفلسفية منذ أن أعلن آدم سميث نظريته التي قامت على المفهوم الفلسفي للرأسمالية " دعه يعمل ، دعه يمر" وهو المفهوم الذي انتظمت في إطاره قواعد ما عرف بالحرية الاقتصادية التي يتوجب على الدولة أن تقف منها موقفًا محايداً ، وتترك أمر الخيارات فيه للمنظمين entrepreneurs القادرين وحدهم على اتخاذ القرار بالتنافس والبقاء أو المغادرة ، محكومين بنقطة التحول break even point .
غير أن الأمور لم تسر كما أرادها آدم سميث ، ، فقد شهد النظام الرأسمالي انتكاسات تسببت في انهيارات تطلبت تدخل الدولة بأدوات إقتصادية كالضرائب ، والاستثمار المباشر في البنى التحتية والمشاريع الرائدة في مجال العلوم والتكنولوجيا ، وغير اقتصادية كالتأميم وتملك الدولة للشركات المفلسة ، أو تلك التي يحتاج المجتمع إلى خدماتها بأسعار لا يستطيع القطاع الخاص المجازفة فيها . وهو ما مهد له عالم الاقتصاد الشهير "ريكاردو" صاحب نظرية "الطلب" الذي طرح السؤال الشهير عن دور الدولة في حالة تعرض السوق إلى الإغراق وتراجع الطلب وافلاس الشركات ، وما ينشأ عن ذلك من بطالة تهدد بانهيار اقتصادي . هل تظل الدولة محايدة ، أم تتدخل لانقاذ الاقتصاد من خلال ضخ استثمارات هائلة في البنى التحتية تسمح بالتشغيل وامتصاص البطالة وزيادة الطلب لتحفيز الانتاج وموازنة العرض . وفي نظره فإن الدولة يجب أن تتبع سياسات تبقي الطلب عند المستويات التي تبقي الانتاج والتشغيل قادران على تحفيز النمو في الكليات الاقتصادية التي ستنعكس على مستوى الدخل القومي والفردي على السواء ، والمستوى المعيشي لسكان البلاد .
معظم بلدان أوربا الرأسمالية أخذت بهذه النظرية ، وأدخلت كثيراً من التعديلات في فلسفة إدارة نظمها الاقتصادية ، وزاد تدخل الدولة لمواجهة مشاكل الركود ، وتحفيز الاقتصاد ،وتحديات التنافس مع الخارج . الولايات المتحدة الأمريكية وحدها من بقي متمسكاً بالحرية الاقتصادية الكاملة واعتبرت أن تدخل الدولة المباشر إنما هو صورة للتعسف الاشتراكي-الشيوعي لنظام الحرية الاقتصادية الذي يخترق به النظام الرأسمالي الحر . واحتج اقتصاديوها وفلاسفتها المنظرون للحرية الاقتصادية بأن تقسيم العمل العالمي هو ما يجب أن يستشهد به كمعيار للكفاءة الاقتصادية التي يجب أن لا تتأثر بمثل هذا التدخل التعسفي . ويقوم التقسيم العالمي للعمل على أساس المزايا النسبية لاقتصاديات الدول المختلفة ، وهذا يعني أن التخصص وفقاً لما يتوفر في كل بلد من موارد وتكنولوجيا وعمالة ماهرة وإدارة ناجحة وقاعدة انتاجية وتكاليف انتاج أقل للسلع المتشابهة .
تمسك بهذا المحافظون الذين اعتبروا أنفسهم الحاملين الحقيقيين لميراث آدم سميث ، لكنهم تناسوا أن العصر الاستعماري الذي أسهم في تخلف ثلثي العالم لم يؤمن تقسيماً عادلاً للعمل بين أمم الأرض ، فقد أورث العالم نظامًا من مستويين : صناعي متقدم ، وآخر مصدر للمواد الخام . ثم أخذ هذا التقسيم يدخل مجالات أخرى بعد أن ارتفعت كلفة الانتاج في البلدان المتقدمة حيث أخذت الشركات المصنعة الكبرى تبحث عن العمالة الرخيصة في البلدان النامية ، فتقوم بتدريب وتأهيل العمالة في هذه البلدان كي تستخدمها في تصنيع منتجاتها بكلف رخيصة . في عام ١٩٨٧ زرت مصنعاً للنسيج في الصين يعمل فيه ما لا يقل عن خمسة ألف عامل ، يعمل لصالح شركة أمريكية بناء على المواصفات التي تحددها تلك الشركة . ومصنع آخر لتجميع الكهربائيات الالكترونية لصالح شركة متسوبيشي اليابانية . هذا هو التقسيم العالمي للعمل الذي لوحت به أمريكا يومها في وجه العالم .
بعد سنوات من التمسك بنظام سميث "دعه يعمل .. دعه يمر" وجدت أمريكا أن العالم الرأسمالي الذي تجاوز هذا النظام لم يعد مؤهلًا للعودة إلى أسسه التي بشر بها رواده الأوائل ، وأن الاشتراكية قد اخترقت النظام في الجذر الأهم فيه وهو تدخل الدولة لتقرير الخيارات الاقتصادية التي لم تعد شانًا خاصًا بالمنظمين بقدر ما أصبحت دالة في فلسفة إدارة الدولة حيث يصبح الاقتصاد أداة من أدواتها وليس العكس . كما أن الدولة الشيوعية الصينية اعتمدت هي الأخرى الأدوات الرأسمالية لتحقيق نهضة إقتصادية وتكنولوجية متحدية التقسيم الرأسمالي القديم للعمل على الصعيد الدولي .
ترامب اليوم يهدم أهم مبادئ الحرية الاقتصادية والتقسيم الدولي للعمل الذي استقر على اساس المنافسة بما عرف بالمزايا النسبية .
إن مرحلة جديدة من النظام الاقتصادي العالمي ستلقي بثقلها على دول العالم الثالث ، الدول النامية، أما الدول الصناعية المتقدمة فقادرة على التكيف من خلال إعادة توزيع العبء على الاقتصاد العالمي.
يوم التحرير الأمريكي ، هل هو انقلاب على الحرية الاقتصادية ؟!
ما الذي يعيق طي ملف صراع اليمن؟
جبال اليمن ليست عائقا
اليمن: جمهورية الفنادق وعاصمة الوداع
جلسة «مقيل» أميركي في صعدة