الجمعة 4 ابريل 2025
جبال اليمن ليست عائقا
الساعة 07:27 مساءً
د. سالم الكتبي د. سالم الكتبي

إستراتيجية استهداف القيادات ستكون أكثر تعقيدا في اليمن وستتطلب استثمارا أكبر في القدرات الاستخباراتية والتكنولوجية لتحقيق نتائج مماثلة لتلك التي حققتها دولة إسرائيل ضد حزب الله في لبنان.
تشير التقارير الإخبارية المتوالية إلى أن منطقة الشرق الأوسط تشهد تحولات عسكرية وإستراتيجية غير مسبوقة في الآونة الأخيرة، مع تصاعد المواجهات ضد التنظيمات المدعومة من إيران في أكثر من ساحة. وبينما تتباين الظروف الجغرافية والسياسية لهذه المواجهات، فمن وجهة نظري تبرز أهمية دراسة نماذج النجاح وإمكانية تطبيقها في سياقات مختلفة.

هنا علينا أن نتساءل: هل يمكن تطبيق سيناريو الجيش الإسرائيلي في القضاء على حزب الله على الضربات الأميركية ضد الحوثيين رغم التضاريس الوعرة في اليمن؟ وفيما أعتقد أن الإجابة المباشرة هي نعم، ولكن مع تعديلات إستراتيجية جوهرية تأخذ في الاعتبار الاختلافات الجغرافية والعملياتية بين الساحتين.

تتزامن الضربات الأميركية المكثفة ضد الحوثيين مع انتصارات إسرائيلية ملموسة ضد حزب الله. وتثير هذه التطورات تساؤلات جوهرية حول مدى إمكانية استنساخ النموذج الإسرائيلي في السياق اليمني، وما هي الدروس التي يمكن استخلاصها من كلا التجربتين.

إن الفهم العميق للتشابهات والاختلافات بين الحالتين يمكن أن يقدم رؤية إستراتيجية متكاملة للتعامل مع التنظيمات المسلحة المدعومة من إيران، بما يضمن تحقيق الأهداف المتمثلة في حماية الأمن الإقليمي، وضمان استمرار تدفق التجارة العالمية وسلامة المدنيين.

بالتدقيق العميق، نجد أن الحالتين الإسرائيلية والأميركية تتشابهان في مواجهة تنظيمات مسلحة تمتلك قدرات تضاهي قدرات الدول. فحزب الله والحوثيون يسيطران على أراضٍ واسعة، ويديران هياكل حكم، ويتلقيان دعما إيرانيا من حيث التسليح والتدريب والتوجيه الإستراتيجي. كما يتبنى كلاهما تكتيكات حرب العصابات ضد القوات العسكرية التقليدية، ويستفيدان من مزايا التضاريس للحماية والعمليات الإستراتيجية، ويمتلكان قدرات صاروخية وطائرات مسيّرة للضربات بعيدة المدى.

من ناحية أخرى، يمكن أن نلاحظ أن الاختلاف الجوهري يكمن في طبيعة التضاريس. ويغلب على مناطق وبيئة اليمن أنها جبلية وأكثر امتدادا من نظيرتها اللبنانية. كما يتميز اليمن ببنية تحتية محدودة وبدائية، وهناك تنوع أكبر في تضاريسه.

هذه الاختلافات الجغرافية تنعكس على البيئة العملياتية أيضا؛ فدولة إسرائيل تشترك في حدود مباشرة مع لبنان، مما يتيح لها تنفيذ عمليات برية، بينما تضطر الولايات المتحدة لتنفيذ عملياتها في اليمن من مسافة بعيدة، معتمدة بشكل أساسي على الأصول الجوية والبحرية. كما تمتلك دولة إسرائيل شبكات استخبارات أكثر شمولا في لبنان، في حين أن حجم اليمن أكبر بكثير من لبنان، مما يعقّد العمليات الشاملة.

نجحت دولة إسرائيل في تحييد قيادات حزب الله، بما في ذلك أهم قيادي وهو حسن نصرالله، مما أدى إلى تعطيل هياكل القيادة والسيطرة من خلال عمليات مستهدفة. وتعتمد هذه الإستراتيجية على ضربات دقيقة موجهة بالمعلومات الاستخباراتية ضد القادة الرئيسيين. وبالتالي يمكن تطبيق هذه الإستراتيجية في اليمن، لكنها ستواجه تحديات أكبر بسبب التضاريس والقيود الاستخباراتية.

بلا شك، فإن إستراتيجية استهداف القيادات ستكون أكثر تعقيدا في اليمن، وستتطلب استثمارا أكبر في القدرات الاستخباراتية والتكنولوجية لتحقيق نتائج مماثلة لتلك التي حققتها دولة إسرائيل ضد حزب الله. وقد اعتمدت دولة إسرائيل على تطهير البلدات الحدودية والاستيلاء على التضاريس الرئيسية، وتدمير البنية التحتية للأنفاق المستخدمة في الهجمات، وتعطيل قدرات إطلاق الصواريخ من خلال الوجود البري.

لكن، ومن وجهة نظري، فإن تطبيق هذه الإستراتيجية في اليمن سيكون محدودا للغاية نظرا إلى عدم وجود قوات برية أميركية والتضاريس الصعبة. فالتضاريس المتنوعة في اليمن، التي تشمل الجبال والوديان، تخلق بيئة عملياتية معقدة. وعليه، فإن التعامل الفعال مع التنظيمات المسلحة في بيئات معقدة يتطلب الجمع بين الضربات الجوية الدقيقة والعمليات البرية المحدودة حيثما أمكن، مع الاعتماد بشكل كبير على الاستخبارات للاستهداف وتقييم الأضرار، والتنسيق بين مختلف المجالات العملياتية، والتكيف مع تحديات التضاريس من خلال تطبيق القوة المناسبة.

في حالة اليمن، يمكن للولايات المتحدة الاستفادة من النموذج الإسرائيلي في دمج العمليات الجوية مع العمليات الاستخباراتية المتقدمة، مع الاعتماد على القوى المحلية المتعاونة المناهضة للحوثيين كمصدر مهم للمعلومات الاستخباراتية ولتنفيذ العمليات البرية.

بلا شك أيضا، فإن نجاح دولة إسرائيل في تحييد قيادات حزب الله وتدمير بنيته التحتية العسكرية يقدم نموذجا يمكن الاستفادة منه في اليمن، لكن مع إجراء تعديلات جوهرية تأخذ في الاعتبار التحديات الجغرافية الفريدة. فالجبال الشاهقة، التي تمتد على ارتفاع يتجاوز 2000 متر فوق سطح البحر، والتي شكلت على مر التاريخ ملاذا آمنا للحوثيين، تتطلب إستراتيجية مختلفة عن تلك المطبقة في التضاريس اللبنانية الأقل وعورة.

وبالتالي تبرز أهمية الجمع بين الضربات الجوية الدقيقة والعمليات الاستخباراتية المتقدمة، مع الاستفادة من القوى البشرية المحلية المناهضة للحوثيين لتنفيذ العمليات البرية المحدودة وتقديم الدعم الاستخباراتي، خصوصا أن الكثير من الشعب اليمني غير راضٍ عن الحوثيين. وعليه، فإن هذا كله يجب أن يترافق مع التركيز على تعطيل شبكات الدعم الإيراني وخطوط الإمداد، على غرار ما فعلته دولة إسرائيل مع خطوط إمداد حزب الله من سوريا.

 

نقلا عن "العرب"


إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
آخر الأخبار