السبت 31 يوليو 2021
اليمن بين نصف تسوية وساحة حرب دولية
الساعة 04:21 مساءً
صالح البيضاني صالح البيضاني

مع دخول الحرب عامها السابع يبدو المشهد أكثر تعقيدا في جنوب اليمن مع رغبة الأطراف التي خرجت خاسرة في الشمال للبحث عن موطئ قدم سياسي على طاولة مشاورات الحل النهائي.

بات من شبه المؤكد أن المشهد اليمني بعد ست سنوات من الحرب يستعد لمرحلة جديدة مغايرة تماما، وهو ما يعني أن البلاد مقبلة على طور جديد من أطوار الأزمة وشكل جديد ربما من أشكال الصراع المسلح، يختلف قليلا عن الطريقة التي خاضت بها الأطراف اليمنية حربها خلال السنوات الماضية.

والحديث عن السلام بمفهومه اليمني الذي ألفناه هو استراحة محارب قد تطول بعض الشيء، ولكنها لا تضع أوزارها إلا لتعود بعد أن يلتقط المتحاربون أنفاسهم لخوض جولة جديدة من صراع مزمن ومعقد، تتخلله العديد من العوالق الثقافية والاجتماعية والكثير من الأحقاد الشخصية.

ومن يتأمل جيدا في تاريخ اليمن الحديث والمعاصر، ويأخذ على سبيل المثال آخر خمسة قرون متتبعا التسلسل الزمني التاريخي للبلاد منذ القرن السادس عشر، سيكتشف أن هذا البلد خاض العشرات من الحروب الداخلية والصراعات التي لم تتوقف إلا لتبدأ من جديد، وقد كان العامل الخارجي حاضرا في معظم تلك الحروب.

ومن باب الإنصاف ليس إلا، فقد كانت فترة حكم الرئيس اليمني الراحل علي عبدالله صالح بالرغم مما شابها من فساد وصراع سياسي ومهادنة مع مراكز القوى التقليدية، واحدة من فترات الاستقرار النسبي التي شهدها تاريخ اليمن المعاصر، وهي الحقيقة التي اجتهد كل خصوم صالح لتكذيبها إعلاميا عبر تحميله وزر كل الصراعات التي شهدها اليمن خلال حكمه والحروب التي جاءت بعد تخليه عن السلطة، بينما التاريخ يقول إن واقع اليمن مثل بركان لا يهدأ إلا ليثور مجددا.

وكثيرا ما منى اليمنيون أنفسهم بسنوات من الرخاء بعد السنوات العجاف التي كابدوها منذ العام 2011 عندما تحولت الأزمة السياسية إلى اجتياح حوثي في سبتمبر 2014 ومن ثم إلى حرب مفتوحة في مارس 2015 وهي السنوات العجاف التي تجاوزت السبع من دون أن تتلوها سبع سنوات سمان!

وفي ظل هذه الصورة السوداوية، يبرز التساؤل: إلى أين يذهب المشهد اليمني بعد ست سنوات من الحرب، وبروز مؤشرات على رغبة المجتمع الدولي في طي صفحة الصراع؟ وهل هناك فرص حقيقية لتحقيق السلام، في ظل المعطيات العسكرية والسياسية التي أفرزتها سنوات الحرب والصراع؟

والحقيقة أن الإجابة على هذا السؤال شديد التعقيد باتت أكثر صعوبة من أي وقت مضى، حيث أن الحرب لم تفرز منتصرا واحدا على الساحة قادرا على فرض سلطته، ولم تخلق كذلك حالة توازن عسكري حقيقي يمكن أن يفضي إلى سلام، بل أن المشهد الذي يتجلى اليوم بعد غبار المعركة ينبئ عن حالة تشظ غير مسبوقة، فكيف تبدو صورة المشهد عن قرب؟

استطاع الحوثيون في شمال اليمن أن يركزوا السلطة في قبضتهم بعد إزاحة حليفهم الوحيد صالح وابتلاع حزبه المؤتمر الشعبي العام، كما استغلوا الصراع المحتدم بين أطراف الشرعية خلال السنوات الماضية لتوسيع دائرة مكاسبهم التي تكللت باستعادة منطقة نهم ومحافظة الجوف وأجزاء من محافظة البيضاء، فيما يكثفون هجماتهم لإسقاط محافظة مأرب التي يسعون لتكون أكبر جوائزهم قبل الدخول في أي مشاورات قادمة.

ويستشعر الحوثيون بوجود منافسين اثنين في الشمال بعد القضاء على أي محاولة تمايز في مناطق سيطرتهم كان يمثلها حزب المؤتمر الشعبي العام، فتحتَ رداء الشرعية يبرز حزب التجمع اليمني للإصلاح كخصم أيديولوجي للحوثي، ما يزال يمتلك حضورا عسكريا على الأرض في بعض مناطق الشمال وتحديدا مأرب وتعز وأجزاء صغيرة من محافظة حجة، بينما يتمركز خصم آخر عنيد في معظم محافظة الحديدة وأجزاء من محافظة تعز يتمثل في قوات المقاومة الوطنية بقيادة العميد طارق صالح التي أعلنت مؤخرا عن وجهها السياسي الذي يعبر عن طموح ابن شقيق الرئيس اليمني السابق للحضور على مائدة الحل النهائي للأزمة اليمنية كوريث لتركة الرئيس صالح وكحامل سياسي وعسكري لمشروع أنصار صالح.

وفيما أصبح الحوثي الرابح الأكبر في صراع الشمال الذي خاضه ضد تركة صالح السياسية وضد حزب الإصلاح كما تقول الصورة النهائية لخارطة النفوذ على الأرض مع دخول الحرب عامها السابع، يبدو المشهد أكثر تعقيدا في جنوب اليمن، مع تداخل مناطق النفوذ، ورغبة كل الأطراف التي خرجت خاسرة في الشمال للبحث عن موطئ قدم سياسي جنوبا يوفر لها مكانا على طاولة مشاورات الحل النهائي التي تلوح في الأفق.

وإلى جانب المجلس الانتقالي الجنوبي الذي يتواجد بقوة في عدن والضالع ولحج، ويتحين الفرصة لاستعادة حضوره في شبوة التي سيطرت عليها قوات الشرعية وتصنف اليوم ضمن مناطق نفوذ حزب الإصلاح، كما هو الحال مع وادي حضرموت في الوقت الذي تتأرجح فيه مناطق مثل ساحل حضرموت ومحافظة لحج والمهرة مع حضور أطراف أخرى جنوبية، وهو المشهد المضطرب الذي يشي ربما بجولات صراع خاطفة قادمة تستبق أي حلول نهائية، يسعى كل طرف لتحسين مشاركته فيها، من خلال تعزيز نفوذه على الأرض جنوبا، بعد أن أصبح أمر استعادة أي منطقة من فك المفترس السياسي الحوثي مجازفة عسكرية.

وإلى جانب التعقيدات السياسية والجهوية والمناطقية المحلية في اليمن، يبرز بشكل متزايد العامل الخارجي مع توزع الولاءات الإقليمية لأطراف الصراع المحليين، والأسوأ في هذه الولاءات هو الارتهان الحوثي لإيران التي تخوض مواجهة سياسية مع العالم حول الملف النووي، يمكن أن تتحول في أي لحظة إلى مواجهة عسكرية، تراهن طهران فيها على استخدام ذراعها العسكرية في اليمن (الحوثي) كأداة لإقلاق أمن العالم، عبر استهداف إمدادات النفط العالمية بالطائرات المسيرة المفخخة والصواريخ البالستية، وتعطيل ممر الملاحة الدولي في باب المندب بالقوارب المفخخة والألغام البحرية.

ويمثل التداخل الواضح في أجندات الجماعة الحوثية والنظام الإيراني عاملا مربكا لجهود الحل السياسي في اليمن التي يقودها المبعوث الأممي إلى اليمن مارتن غريفيث وتحظى بدعم أميركي وأوروبي منقطع النظير، حيث أن ربط الحوثيين اشتراطات التسوية السياسية بقضية بالغة التعقيد مثل “الملف النووي” الإيراني، مؤشر ربما على أن اليمن في أحد السيناريوهات التشاؤمية قد يتحول إلى ساحة صراع دولي منخفض التكاليف بين العالم وطهران.

 

 


إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
آخر الأخبار